العبور نحو مضارب الأوروبيين (1-2)

يتدفق نحو الغرب الأوروبي طوفان لا حد له من اللاجئين العرب سوريين وعراقيين من (بلاد الرافدين) و(الهلال الخصيب).

الثلاثاء، 08-09-2015 الساعة 11:04


يتدفق نحو الغرب الأوروبي طوفان لا حد له من اللاجئين العرب سوريين وعراقيين من هذه البلاد التي كانت تسمى (بلاد الرافدين) و(الهلال الخصيب)، بلاد الأمويين والعباسيين والتاريخ الذي يمثل سقف الحضارة العربية والإسلامية، في منعطف خطير ينذر بتغيير جوهري في المنطقة لا يدع فيها حجرا على حجر.

الشعوب العربية والإسلامية تقف شبه عاجزة عن إدراك ما يحصل فضلا عن أن يكون لها القدرة المؤثرة في تغيير مساره أو التحكم في نتائجه، وأما الأنظمة فلها حساباتها الخاصة والمعقدة والبعيدة كل البعد عن دائرة الحدث.

النخب المثقفة على اختلاف توجهاتها لا تملك سوى التعبير عن آلامها العميقة واحتجاجاتها الغاضبة بوجه الهوان والضعف والذلة والقهر، لكنها رسائل بلا عنوان، وشكاوى ضد مجاهيل، فالمسؤولية أكبر من أن يتحملها (حاكم) أو (محكوم) في ظل حالة الضعف العام والأخطاء المتراكمة لأجيال متعاقبة في كل مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.

قبل سنوات فقط كان (حزب الله) يمثل عنوانا للمقاومة حتى في نظر هؤلاء المثقفين! وكان يحظى بالدعم المادي والمعنوي من مختلف الفئات والجماعات وربما حتى من هؤلاء اللاجئين، كانوا يحملون راياته وصوره، وكانت أموال (الزكاة) والتبرعات تتدفق عليه من كل حدب وصوب، وكان (دعاة) معروفون على مستويات عالية يحثون الناس على الجهاد معه ودعمه بآلاف (المجاهدين)!

التمجيد كان أيضا بالخميني والخامنئي وأحمدي نجاد على كثير من المنابر، وتخطه أقلام إسلامية وقومية ووطنية، لا فرق، فلكل تبريراته ومسوغاته، حتى صرح أحد شيوخنا الأفاضل -سامحه الله- أن مجددي الإسلام في هذا العصر هم حسن البنا والمودودي والخميني!

إن حزب الله لم ينقلب أبدا، ومشروع الخميني لم ينحرف عن مساره، نحن الذين لم نكن نحسن القراءة ولا الكتابة، وقد كانت العواطف والشعارات وردود الأفعال الآنية تحركنا أكثر بكثير من الوعي العميق والتفكير الدقيق.

لقد كنا نقول للناس ما نتمناه، لا ما نعلمه ونراه، وكثير من الناس كانوا يصدقوننا لأننا لم نتلوث بالتزلف للأنظمة، ولا الدوران في فلكها، هذا الكلام سمعته بنفسي من إخواننا في إندونيسيا والهند وغيرهما من بلاد المسلمين، لقد كنت أعجز عن إقناعهم بالحقيقة لأنهم سمعوا من قامات كبيرة في العلم والدعوة غير هذا الكلام، أما اللعب وخداع هذه الجماهير باسم القضية الفلسطينية فهذا باب آخر أعمق جرحا وأشد إيلاما.

إن حزب الله هو مليشيا من مليشيات (الولي الفقيه) لا يختلف عن (أبوعزرائيل) في العراق، و(الحوثي) في اليمن، وحسن نصر الله لا يخفي هذه الحقيقة ولا ينكرها، بل هناك خطابات مسجلة له قبل أن يشيب عارضاه أنه جندي في الثكنة المتقدمة للمشروع الإيراني، والذين كانوا يمجدونه ويدعمونه من بني جلدتنا كانوا على علم بهذا، لكنهم يغضون الطرف من أجل (المصلحة)!

فهل وعى علماؤنا ودعاتنا وقادة الرأي فينا أن تمجيدهم بالخميني و(ثورته) وحسن نصر الله و(مقاومته) كان أشد ضررا على الأمة من تمجيد (وعاظ السلاطين) بسلاطينهم؟ حتى صرنا اليوم نستجدي الغرب (الصليبي) لإيواء الفارين بدينهم وأعراضهم من جحيم (الثورة الإسلامية) و(المقاومة الإسلامية)!

نعم إن حكوماتنا العربية والإسلامية كلها تتحمل وزرا ثقيلا من هذه المأساة، وكل بحسب موقعه ودوره وإمكانياته، خاصة فيما يتعلق بالشق السياسي والمواقف التي تتطلب تدخلا مباشرا من صاحب القرار، لكن الذي يلوم هذه الحكومات عليه أن يبدأ بنفسه، فالعالِم أو المثقف أو الداعية الذي كان يضلل الناس ويلبس الحق والباطل والعدو بالصديق لا يقل وزره عن وزر أصحاب القرار، وهكذا ينبغي أن نتحمل مسؤولياتنا المشتركة ونعترف بأخطائنا، ونقدم لأمتنا ولشعوبنا كشف حساب صريحا وصادقا بالأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحال.

أما الدول الغربية فهي لا شك ضالعة من الأصل في صناعة هذه المأساة وإدامتها وإطالة عمرها، خاصة الدول الفاعلة كأميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، ومن هذا الباب نستطيع أن نحملهم كل آلامنا وأوجاعنا ودماء أبنائنا وفلذات أكبادنا، أما الكلام عن طريقة استقبالهم وتعاملهم مع اللاجئين، فلا أدري بأي لسان نلومهم ودولنا العربية والإسلامية الممتدة من المحيط إلى المحيط والتي هي أكبر من كل الدول الأوروبية ثلاث مرات على الأقل قد ضاقت بهم ولم تهتد لحد الآن إلى أي حل يحفظ شيئا من ماء الوجه، فكيف نطلب من الأوروبيين أن يرفعوا من مستوى جاهزيتهم وأن يحسنوا من إجراءاتهم لاستقبال المزيد من أبنائنا وبناتنا؟

إن تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي فتحت كل أبوابها لهؤلاء اللاجئين، وهو موقف متقدم بكل تأكيد، وتستحق عليه كل الشكر، لكنه موقف لا يحل الأزمة، ولا يوفر أبسط مقومات الحياة، مقارنة بما يتوقعه اللاجئون من الدول الأوروبية.

فاللاجئ إلى تركيا خارج نطاق المخيمات الحدودية، ليس له سكن، وليس له مصدر للرزق، بل وليس مسموحا له بالعمل إلا بحدود ضيقة جدا، وعليه أن يقدم عن كل فرد من عائلته قرابة الخمسمئة دولار سنويا للحصول على بطاقة الإقامة، ولذلك ترى ظاهرة التسول، والعمل (الأسود) بأزهد الأجور حيث يقع اللاجئون ضحايا الاستغلال من قبل بعض المقاولين وأرباب الأعمال، والقانون التركي لا يجيز للمستثمر الأجنبي فضلا عن التركي أن يعين أجنبيا في شركته إلا بعد تعيينه لخمسة من المواطنين، وحال اللاجئين في مخيماتهم ليس بأفضل من حال أقرانهم.

إن تركيا بهذا الوضع قد أصبحت في الغالب بوابة للعبور نحو (مضارب الأوروبيين)، بعد أن أغلقت أبوابها (مضاربُ عدنان وقحطان).

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة