العراق الإيراني.. والسؤال السعودي التاريخي

حافظت هيئة علماء المسلمين على مسؤوليتها في فضح ما تعرض له أبناء السنة في كل جغرافيا العراق.

الأحد، 06-12-2015 الساعة 10:40


قبل سنوات كتبت مقالة في صحافتنا الوطنية عن مقولة الملك عبد الله، عن الرمز الوطني العراقي الكبير الشيخ حارث الضاري، رحمهما الله، مثلك من يمثل العروبة ومثلك من يمثل الإسلام، وتناقلت المقولة وسائل الاعلام في حينها، ونُقل عن الملك عبدالله استمرار سؤاله عن الشيخ الضاري وعن هيئة علماء المسلمين في العراق، التي كان الراحل أمينها العام.

وكعادة المحلل السياسي، فإن مهمة المقال كانت تجنح الى ما تعنيه المضامين السياسية والبنية الفكرية للعلاقة والتصريح الملكي، وما الذي تمثله هيئة علماء المسلمين ليس كهيئة تضم نخبة راشدة من علماء العراق ومثقفيه، بدعم من سماحة الإمام عبدالملك السعدي المفتي الشرعي العام للجمهورية العراقية وحسب، ولكن لطبيعة الخطاب والمشروع السياسي وتميّز خط الهيئة الذي ظل صامداً في استقلال خطابه السياسي ووطنيته، عن طغاة الاحتلال وعن الغُلاة، وأصرّت الهيئة على البقاء كمرجع وطني عام لم تنخرط بالعمل العسكري، ولكن دعمت المقاومة الإسلامية الوطنية المعتدلة، التي كادت أن تُنهي الاحتلال المزدوج لولا تآمر الأمريكيين والإيرانيين عليها، وتفجير القاعدة ثم الصحوات في وجهها، كما فُجرت داعش في وجه ثورة العشائر اليوم، ليجني العراق مُراً على مُر من احتلاله المزدوج ومن غلاة داعش ويشرب الشعب العربي الأبي من علقم ميلشيات المالكي ومرجعياتهم الدائمة، وميلشيات داعش ومرجعياته.

ولو دُعمت مقاومة العراق المعتدلة في 2005، قبل تفجير الحرب الطائفية بين قاعدة التوحيد والجهاد والميلشيات الإيرانية، التي سددها دماء المدنيين من الطائفتين، لكان واقع العراق والمشرق العربي مختلفا اليوم، ولكن قَصُر الدعم العربي عن أيادي العراق الحرة، فانتكس الشرق كله وليس بغداد دار السلام المحتلة.

ورحل الضاري «رحمه الله» ولكن لم يرحل المشروع، وانتخب نجله د. مثنّى اميناً عاماً للهيئة، بانتخابات حرة، وتمّت إعادة تأسيس دوائر الهيئة وتنظيمها، ثم أعلنت مشروعها المميز مبادرة العراق الجامع، هذه المبادرة قد تكون مفاجئة للبعض، كيف تطرح أبرز هيئة لعلماء العراق السُنة هذا المشروع الوطني المرتفع عن الطائفية، والداعي الى وقف الاحتراب المسلح، عبر تصالح اجتماعي تاريخي بين كل أهل العراق، لتتم صياغة البديل عن العملية السياسية التي تبناها الاحتلال المزدوج، بحكم أن كل ما جرى ويجري باتفاق كل منصف، حتى من العالم الغربي، نتيجة لعملية الاحتلال.

لكنني لم اتفاجأ لمعرفتي بعمق التفكير الإسلامي الراشد للهيئة، عبر مراقبتي الطويلة لأدائهم وخطابهم، الذي مثل عمق المنهج السني الراشد الذي نحتاجه اليوم، كرعاية وطنية وإسلامية عامة وليس لتخصيص مذهبي.

لقد حافظت الهيئة على مسؤوليتها في فضح ما تعرض له أبناء السنة في كل جغرافيا العراق، كون أنهم تحت الحراب المجتمعة من كل صوب، وسجلت رفضا شاملا ومفصلا لكل ظلم على أي مدني من الطوائف نالته يد البغي للغلاة والميلشيات، ورفضت أن يُقتص من المدنيين الشيعة الأبرياء، للثأر من عمليات وميلشيات إيران المتعددة في العراق، وفي سوريا، في حين ظل قسم حقوق الإنسان فيها يسجل الانتهاكات في المناطق المغدورة وينشط في المحافل الدولية لأجلهم، رغم الحصار الشرس على الهيئة.

وما يهمنا اليوم هو مبادرة -العراق الجامع- التي أطلقتها الهيئة مؤخراً، من مقر تواجد الأمين العام في المملكة الأردنية الشقيقة، وأعلنت عن عزمها عقد مؤتمرات وحلقات نقاش مع كل الأطياف الوطنية العراقية بكل مذاهبهم وتياراتهم، الرافضة لمشروع تقسيم الانسان العراقي وأرضه، وهو مشروع يلتقي كليا مع السؤال السعودي التاريخي عن المخرج لإنقاذ العراق العربي من محتله الإيراني، بمشروع سياسي جامع، بداية تأسيسه صعبة، لكنها حبلُ أمل مهم للغاية للأمن القومي في الخليج العربي وليس العراق وحسب.

ولقد استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، مؤخراً، السيد مسعود برزاني حاكم كردستان العراق، الذي يُعاني من صعوبات اقتصادية، والأهم من حصار إيراني يسعى لتصفيته ببديل كردي، يخضع لمشروع المحور الروسي الإيراني الجديد، وهذا الخط مع السيد برزاني مهم جداً، لدعم صموده أمام الإيرانيين، رغم أخطاء الاخوة الأكراد المؤلمة، كما أن رغبة السيد برزاني بتصحيح الموقف مع القاعدة السنية في العراق في إطار وطني جامع، مناسب جدا أن تمنح الهيئة ود. مثنى مساحة لها، فالعراق عموما وسنته خصوصا يخنقون من كل جانب.

أما رعاية المملكة اليوم فهي محورية جدا، حين تستضيف اللقاء الثاني للمبادرة وهو ما نؤمله، وأعتقد شخصيا ان لقاء الأمين العام د. مثنى بسمو الأمير محمد بن سلمان كمشرف مفوض من خادم الحرمين على الملف الإقليمي في المنطقة، والوزير الجبير، يحتاج الى تعجيل، وتخصيص مسار للتواصل مع الهيئة، وعبرها مع المرجع الشيعي الصرخي والقوى الوطنية.

فالظروف اليوم تستدعي أكثر من أي وقت مضى مبادرات الرعاية والتواصل للرياض، مع الحراك الوطني في العراق وفي كل المنطقة، وهو ملف عبثت به إيران عقودا طويلة فملأت فراغ الغياب العربي بمآس ضربتنا من بغداد الى صنعاء، وهي تحوم اليوم على المنامة وساحلنا الشرقي، حتى لا تتكرر كوارث مشرقنا العربي.

موقع اليوم

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة