العراق .. الربيع الخائب دائماً

كانت وفاة الملك فيصل الأول التي يُشك أنها مدبرة، أول ربيع عراقي، ثم مقتل ابنه الملك غازي بحادث سير غامض.

الثلاثاء، 07-04-2015 الساعة 08:37


كانت وفاة الملك فيصل الأول التي يُشك أنها مدبرة، أول ربيع عراقي، ثم مقتل ابنه الملك غازي بحادث سير غامض، ثم الانقلاب على النظام الملكي، وقتل الملك الفتيّ فيصل الثاني، وجريمة حرق عائلته وعدم التحقيق في الأمر، أو لنقل التغاضي عن محاكمة الفاعل المعروف للسلطة الثورية. ولو كان الفعل قتل ملك منقلب عليه وحسب، لاعتبر هذا من طبيعة الأشياء في منطقتنا، لكن الصعوبة البالغة في تسويغ حرق عائلة بريئة، كما فعل البلاشفة بعائلة قيصر روسيا. تلت ذلك حقبة مضطربة، نتاجها الأكبر دماء سالت، أجراها الشيوعيون، ثم سالت دماء هؤلاء، وقد سفكها أعداؤهم، ثم دماء الزعيم عبد الكريم قاسم (صدحت له الحناجر وسماه متملقوه الزعيم الهمشري)، وقد سفك دمه شركاؤه في الثورة!

ثم ربيع آخر محدود، حين سقطت أو أُسقطت مروحية المشير عبد السلام عارف، ليلحق بشريكه، ولكن، بميتةٍ مبهمة، تحوم حولها الشكوك، خلفه بعدها أخوه عبد الرحمن، وهو زعيم هادئ لا يصلح، بحسب عرف تلك الحقبة، حاكماً، إذ لا يؤمن بالإعدام، ولا يحبذ سفك الدماء، ففاجأ الجميع بطبعه الليّن، وهو الذي كان جنرال أخيه الجسور، قبل أن يستلم دفة سفينة العراق التي تعدو على الموج المضطرب. وكان متوقعاً أنه لن يكون سيد المشهد طويلاً. غير أن المفاجأة جاءت في اشتراك ذراعيه الأمنيين في إطاحته، هما قائدا حرسه الجمهوري واستخباراته. والمفاجأة الأخرى كانت في إحجام من أطاحوه عن إعدامه، كما العادة السائدة في العراق والمنطقة، والاكتفاء بتسفيره إلى بلد آمن. استتب الوضع لحزب البعث العربي الاشتراكي، بقيادة أحمد حسن البكر ثم صدام حسين، وتوطدت للبعثيين أركان الحكم في ثورتهم البيضاء التي لم تسفك الدماء فيها عامين، تلاهما بحر من الدماء، فلقد بدأت سلسلة انقلابات فاشلة، أدت إلى تشكيل المحاكم الثورية التي أصدرت مئات أحكام الإعدام بحق المنقلبين، ومن يؤازرهم، وكان منهم شركاء في الحكم والقيادة. وبقي الوضع في العراق تحت سيطرة البعثيين الذين ظن الناس أنهم مخلدون في الحكم، لكن المفاجأة حلت بقيام انقلاب خارجي لإطاحتهم، وبقرارات أممية وإجماع إقليمي- أممي، وُظفت له ذرائع شتى، وحُشدت له جيوش من العالم بأسره، بعد حصار قاتل، امتد ثلاثة عشر عاماً، جُوّع فيها العراقيون وماتوا بالجملة، نتيجة شح الدواء والغذاء. وفي مثل هذه الأيام، شن العالم حملته العسكرية على العراق، لكي يسود ربيع الحرية والعدالة والتنمية والرخاء والعلاقات الذهبية مع دول الجوار والمؤاخاة بين العراقيين الذين قيل إنهم سينهضون ببلدهم، ليكون من الدول المتقدمة، فكرياً وصناعياً وزراعياً واجتماعياً.

ربيع من الأحلام طغى عليه اللون الوردي الذي وشى خضرة أوراقه وأغصانه، ليرسم في الأذهان لوناً جديداً فريداً، تغار منه الحكومات والشعوب، وتحلم به لندن وواشنطن وباريس. ودخل المحررون العراق بربيعهم الذي بدا وكأنه فقد كل ألوانه، عدا الأحمر المستمد من شرايين العراقيين النازفة، من جرّاء استخدام الجيوش الزاحفة المفرط للسلاح، وهي جيوش فاجأت أصحاب الحلم الوردي بأنها تقتل وتسجن بالجملة، ولا تقيم وزناً لكرامة الإنسان، ولا تمنحه أبسط حقوقه، وتعشق قلع النخيل والأشجار لدواعٍ أمنية، وتدمر المدن من أجل تحريرها (كما عبّر كاتب أمريكي كان شاهد عيان على حرب أمريكا مع الفلوجة)، وتعيّن حكاماً قادوا العراق ليفوز بالمراكز الأخيرة في الأمن والعمران والنظافة والصحة والبيئة، ورسخوا مبدأ الطائفية والعرقية، بحروبٍ مدمرةٍ بين أبناء الوطن الواحد الذي لم يعد واحداً، ودمروا علاقاته مع محيطه العربي والإسلامي (عدا إيران)، وفشلوا في توفير الأمن، فخسروا نصف أرض العراق لصالح قوى يسمونها (شراذم إرهابية)، وبددوا أكثر من تريليون من الدولارات، هم متهمون باختلاسها، لكونهم لم ينجزوا بها شيئاً للشعب العراقي الذي نزح رُبعه هرباً من جحيمه. هذا هو الربيع الثوري في العراق بصفحاته المتعددة، فهل يفوقه في الحسن ربيع؟

(العربي الجديد)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة