العراق.. وتستمر المهزلة

بين كتلة أمريكية وأخرى إيرانية سُوِّق لنا مخرج الملهاة العراقية صراع الكتل الإيرانية الأمريكية حتى صار مقتدى الصدر وعمار الحكيم محوراً أمريكياً.

الرابط المختصرhttp://cli.re/LjmJb3
الاثنين، 10-09-2018 الساعة 11:19

تلك التي بدأت في عام 2003، عندما غزت أمريكا أرض الرافدين، بحجة أسلحة الدمار الشامل، فكان أن هُدمت الدولة ومؤسساتها، ولم تكتفِ بتغيير النظام؛ بل قررت أن تستعين بجوقة من العملاء واللصوص والسُّرّاق والقتلة والمجرمين، وتوكل إليهم مهمة البلاد والعباد، ولم تكتفِ بهذا أيضاً؛ بل قدمت لهم كل الدعم والإسناد من أجل البقاء في عروشهم، رغم فسادهم وإجرامهم. وفوق هذا وذاك، قررت أن تتحالف مع إيران، عدوتها وعدوة العراق الأزلية، من أجل تدعيم وإسناد حفنة اللصوص والسُّرّاق والقتلة الذين نصبتهم ملوكاً غير متوَّجين، على عروش، وليس عرشاً واحداً، في بلد حباه الله بكل خيرات الأرض؛ فالنفط يسبح تحت الأرض، وفوق الأرض يتسابق نهران، وما بينهما قوة سكانية هائلة، كانت ذات يوم تسعى لدخول العالم المتقدم لولا...

 

اليوم وبعد خمسة عشر عاماً من بداية فصول الملهاة العراقية، وبعد أن اعتقد البعض أن مُخرجها الأمريكي قرر تغيير الممثلين، بعد أن "شفطوا" ما تحت الأرض وجفَّفوا ما فوق الأرض، وأفقروا ما بينهما، تبين أن ذلك لن يحدث، ببساطة لأن هذا المُخرج هو من اختار الممثلين، وهو من رسم لهم الأدوار، وهو من يريدهم أن يفعلوا ذلك أصلاً، ليعود العراقي بخُفي حنين، يتأمل حلاً يأتيه من فوق سبع سماوات، بعد أن يئس من حل أهل الأرض.

 

تتصارع اليوم في العراق كتلتان، وكلمة "تتصارع" كلمة مجازية إخبارية لا معنى لها حقيقة على أرض واقع السياسة في العراق، فلا صراع بين كل الطيف السياسي الحاكم بالعراق، وإذا كان لا بد من أن يكون هناك صراع، فهو من أجل إتقان المشهد وإتمام حبكته، وهو صراع على المغانم والمناصب، لا صراع بين أجندات سياسية، تسعى كل منها لتقديم رؤية معينة لطبيعة إدارة البلاد وطريقتها.

 

الكتلتان تدَّعي كل منهما أنها صاحبة التمثيل الأكبر الذي يمنحها حق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد انتخابات مايو 2018 التي شهدت عزوفاً كبيراً من قِبل العراقيين، فلم تصل نسبة المشاركة إلى 20%، وهو ما مثَّل رسالة بالغة، لكنها كانت كحَجر أُلقي في مياه آسنة وليست راكدة، مياه فاحت رائحتها العفنة، فلم تدفع بطاقم ممثلي الملهاة العراقية إلا إلى مزيد من التهريج على مسرح الوطن المدمى.

 

جاءت البصرة، من أقصى الجنوب العراقي، مدينة السيّاب والنفط وشط العرب، راكضةً لاهثةً، بعد 15 عاماً من العطش والفقر وغياب الخدمات، بعد سنوات من نهب منظم لثروات أغنى مدن العالم وأفقرها سكاناً.

 

غير أن لاعبي السيرك العراقي اكتسبوا من المهارات والخبرات الفنية الشيء الكثير، فكما فتحوا أبواب مدن الغرب والشمال العراقي لـ"داعش" بعد أن انتفضت ضد ظلمهم، فتحوا أبواب مقراتهم وأحزابهم وقنصلية إيران أمام متظاهرين غاضبين، فأقدموا على حرق بعض تلك المقرات، في حين كانت يد عملائهم حاضرة في حرق أخرى، ليطفئوا جذوة الروح الشبابية التي انتفضت؛ بل الأكثر من ذلك يستغلون ذلك لإعادة تدوير أنفسهم، ليظهروا بالمشهد السياسي بطريقة جديدة، على أمل أن يمد الله صمت العراقيين أربع سنوات أخرى، قد تكون كافية لنهب المزيد.

 

وإذا أردت المزيد من عجائب عراق أمريكا الديمقراطي، فإني سأحدِّثك عن الصراع الإيراني-الأمريكي، ذاك الذي اعتقد البعض أنه سيشعل فتيل الحرب العالمية الثالثة أو حتى الرابعة على أرض العراق، فما بين كتلة أمريكية وأخرى إيرانية، سوَّق لنا مُخرج الملهاة العراقية صراع الكتل الإيرانية-الأمريكية، حتى صار مقتدى الصدر وعمار الحكيم محوراً أمريكياً، قبل أن يعود الصدر إلى حضن إيران مستغلاً أحداث البصرة، ليتقارب مع "تيار الفتح" الذي يتزعمه هادي العامري، فهو في النهاية، وغيره أيضاً، لا يمكن له أن يعارض رغبة إيران وسطوتها ونفوذها، ذاك الذي تغلغل عميقاً في الأرض العراقية، حتى بدت غريبة عن نفسها.

 

الوجوه نفسها عادت بمنتهى الوقاحة، حتى لم تقم بإجراء أي تغيير على ملامحها، لم تقم بإجراء أي تغيير حتى على أقنعتها التي باتت مفضوحة؛ بل إن بعض تلك الوجوه عادت بدورها القديم نفسه الذي أدَّته في فصول سابقة من الملهاة العراقية.

 

لن يأتي التغيير من أمريكا كما يعتقد البعض، التغيير سيأتي من العراقيين أنفسهم، انتفاضة المدن الست، رغم ما تبعها من أحداث، انتفاضة بغداد خلال السنوات الماضية، انتفاضة مدن الجنوب، انتفاضة البصرة، العزوف عن الانتخابات، كلها تقرّب العراق من لحظة الخلاص، فالثورة بِناء، الثورة تراكم، الثورة مخاض، والثورة خلاص.

 

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة