العرب في حيرة أم شلل؟

من مظاهر الحيرة العربية، أو لعله الشلل العربي، اختلاف رؤى العواصم العربية حول أسباب عودة أمريكا إلى التدخل عسكرياً في العراق.

الخميس، 28-08-2014 الساعة 08:52


ترددت أخبار عن أن واشنطن تدرس التدخل عسكرياً في سوريا لقصف مواقع داعش فيها. أنا شخصياً لا أستبعد أن تكون هذه نية واشنطن، وأن قراراً بهذا المعنى سوف يصدر قريباً. أتصور أن النظام الحاكم في سوريا سيكون سعيداً بهذا القرار، متمنياً -إن لم يكن بالفعل مطمئناً- إلى أن مجالات القصف لن تشمل قواعد عسكرية للنظام السوري، وفي ظني أن الأمريكيين لن يقدموا بعد الآن على تدمير جيش سوريا ولا أي جيش عربي آخر. من ناحية أخرى لا أعتقد أن تركيا وأطرافاً عربية مهمة، ليس بينها مصر، ستكون سعيدة بهذا القرار.

لا أحد، ربما باستثناء بعض الأجهزة الاستخباراتية الدولية، يعرف على وجه اليقين النوايا الحقيقية والكلية لبعض حكومات المنطقة تجاه تطورات موضوع داعش. كان سلوكاً غريباً جداً ولافتاً لنظر العالم الخارجي أن تنتظر الحكومات العربية اجتماع مجلس الأمن الدولي، لتعلن شجبها وإدانتها باللهجة نفسها التي استخدمتها دول من خارج الشرق الأوسط، دول لم تتأثر مباشرة بغزوات داعش، بل إنها لم تقرر أن تجتمع، ولو بعدد صغير، من أجل هذا الموضوع وإن تحت عنوان مختلف، إلا بعد مرور وقت طويل.

هذا الموقف، أو اللاموقف، العربي كان له مغزاه في عواصم غربية، وبخاصة في واشنطن ولندن وباريس. المغزى في رأيي، وفيما سمعت، لم يخرج عن زيادة تأكيد لقناعة غربية بأنه لا أمل يرجى في أن يشارك العرب بإيجابية وإبداع، وبثقة في النفس والمصير، في صنع المرحلة القادمة من مراحل تطور إقليم الشرق الأوسط. مرة أخرى تتأكد ثقة الغرب في عجز الطبقات الحاكمة العربية عن اختيار صيغة "عربية" لنظام يجمعهم. ما زال الحكام العرب في انتظار نظام يأتيهم من قوى خارجية، كانت في التجربة السابقة قوى غربية، وقد يضاف إليها في التجربة القادمة دولتان إقليميتان غير عربيتين. وتتردد اجتهادات من بينها أنه سيكون منطقياً أن يوضع في الاعتبار عند الاختيار ما قدمته الدول من جهود خلال المرحلة الراهنة، مرحلة فك الحصار الإرهابي عن المنطقة.

من مظاهر الحيرة العربية، أو لعله الشلل العربي، اختلاف رؤى العواصم العربية حول أسباب عودة أمريكا إلى التدخل عسكرياً، ولو من الجو في العراق. يهمس مسؤولون في عواصم بعينها: "إنه الإلحاح العربي على ضرورة التدخل العسكري الأمريكي، مع وعود قوية بدعم عربي مالي واستخباراتي، وبقرارات تأييد من جامعة الدول العربية"، يصرح آخرون أن الأمريكيين عادوا يتدخلون لأغراض إنسانية، وأن أوباما لم يكن يستطيع أن يتجاهل الأعمال الوحشية في شمال العراق، فيكرر تجربة الرئيس كلينتون عندما تجاهل عمليات الإبادة الجارية في رواندا. هكذا يجري تبرير تدخل أوباما لإنقاذ أقليتين عراقيتين حاصرتهما قوات داعش وهددت بإبادتهما، هكذا أيضاً يجري تبرير عدم التدخل حتى الآن في سوريا، فداعش لم تنفذ هناك عمليات إبادة ضد أقلية من الأقليات.

ما لا تتحدث فيه أو عنه العواصم العربية هو أن هذا التدخل الأمريكي، وهو الثالث أو الرابع، يقع لأن شمال العراق غني بالنفط، على عكس الحال في رواندا التي تخلت عنها "الإنسانية الأمريكية" أو سوريا التي لم يتخذ بعد قرار بشأن التدخل فيها.

كثيرون لم ينتبهوا إلى ما نشرته صحيفة ميامي هيرالد في هذا الشأن، عندما ذكرت أن جهاز الاستخبارات الأمريكية "CIA" يحتفظ في ضواحي مدينة أربيل الكردية بقاعدة تجسس وتصنت، لعلها من بين الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط، ومخصصة لتغطي كافة الاتصالات التي تنتقل عبر الفضاء الإيراني.

هم أيضاً، وأقصد بعض العرب، وبخاصة المسؤولين بينهم، في حيرة، وربما شلل، حول موضوع العلاقات الإيرانية الأمريكية. الجديد في هذا الملف هو تصعيد التفاهم إلى حد كاد يقترب من أن يصير تحالفاً، وإن في قضية محددة، هي وقف تقدم داعش في العراق. تبدأ الحيرة هنا، إلى أي مدى الطرفان مستعدان للذهاب، وإلى أي عمق مستعدان للغوص. لم يكن غريباً والحيرة على ما هي عليه أن تقرأ عن دور "يتعين" أن تقوم به إيران قريباً لتسوية "المسألة السورية"، بعد أن ساهمت في جهود تسوية "المسألة العراقية"، وعن دور أساسي في فك الجمود في الساحة اللبنانية، وتحريك مختلف الأطراف اللبنانية نحو مصلحة مشتركة. مرة أخرى يستعد أهل الخارج لتسوية "مسائل عربية" في غياب العرب، فكان أن اجتمع عدد صغير من وزراء الخارجية العرب قبل أيام. حسب علمي، لم يخرج عن الاجتماع ما يشير إلى أن "تسوية عربية" للمسألة السورية صارت جاهزة وعلى وشك أن تعلن.

ما زال في بعض العواصم العربية من لم يفهم بعد طبيعة مصر، والدور الذي تستطيع أن تلعبه منبثقاً من طبيعتها وليس متضارباً أو متناقضاً معها. مضت أربعون سنة تعرضت مصر الرسمية خلالها لعملية غسيل مخ، لتخرج بعدها دولة مقتنعة ومؤمنة ومعبأة بفكرة أنها جزء سياسي وأساسي من "سُنة" الشرق الأوسط. حاولوا أيضاً، بمختلف أدوات الدعوة والإرشاد والتوجيه والتمويل، فرض طبيعة جديدة محل طبيعة مصر وشعبها، اختاروا لمصر اعتناق نهج متشدد من أفكار السنة وممارساتها، في محاولة جريئة ونموذجية لتغيير معتقدات شعب وطريقة حياته والعلاقات بين أفراده وعلاقات دولته بالدول الأخرى. لم يتحقق كل ما أرادوا، بل فشلوا. الآن يدفع المصريون ثمن استسلام العديد من أفراد نخبهم الدينية والسياسية لغزو أفكار ومشروعات وهبات وهدايا موقّعة بخاتم "السُّنة المتطرفة".

أخطأ هؤلاء، وأتباعهم ومريدوهم من المصريين، حين حاولوا إجهاض ثورات الربيع العربي. كانت الثورات متواضعة الأهداف، تطالب بحريات وحقوق وعدالة في التوزيع. أجهضوها فخرجت من أحشائها جحافل من شباب لم يعد يثق في الإصلاح والعمل السلمي الهادئ. لا يؤمن الآن إلا بالتشدد والتطرف. لا يؤمن إلا بالقتل والإبادة والقضاء نهائياً على كافة رموز لطبقات الحاكمة العربية. يدمر وينهب ويذبح ويقيم الخلافة.

أخطؤوا مرة ومرات، ولم يعترفوا بالخطأ. وها هم يكررون خطأ كلاسيكياً التصق بهم والتصقوا به عبر العقود. ها هم يمتنعون، حيرة أم شللاً، عن اتخاذ قرار "عربي" في شأن مصير النظام العربي، تاركين أمر المصير لدول غير عربية. حيرة مزمنة أم فشل محكم.

(الشروق المصرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة