العرب في ظرف تاريخي

لقد انتقل العربي من العيش في التاريخ، إلى أن يعيش التاريخ نفسه، بمعنى أن هذه الأحداث الاستثنائية ستقود إلى التغيير.

الاثنين، 27-04-2015 الساعة 08:28


نحن نصف حدثاً ما بأنه تاريخي، حين نرى أنه استثنائي ويستحق البقاء في الذاكرة. ولطالما وصفت الأمة العربية بأنها مهمومة بالتاريخ، حتى إن المفكر محمد عابد الجابري طالب أن يعيش فينا التاريخ، لا أن نعيش فيه. لكن السنوات العربية الأخيرة، قلبت الآية. وأصبحت ملأى بأحداث تاريخية لافتة. لقد أنسانا تنظيم "الدولة الإسلامية" اليوم، حكايات دحرجة الرؤوس في تاريخ العرب. والثورات العربية، فاقت في إثارتها تغيرات الممالك المملة في التاريخ، تلك التي كان المؤرخ العربي يحرص دوماً على تدوين تفاصيلها.

وحين تحضر الأحداث التاريخية بشكل متسارع، يكون من الصعب إدراك تأثيراتها ومآلاتها. المتابع العربي يعاني اليوم، وهو يشاهد أكثر من حرب تدور في المنطقة. يقول المؤرخ غوستاف لوبون في بداية كتابه "سيكولوجية الحرب الكبرى"، الذي كتبه عن الحرب العالمية الأولى: "إن حقيقة الحدث التاريخي قد لا تتضح إلا بعد خمسين سنة من وقوعه، ونادراً ما يدرك الناس حقيقة الحدث أثناء وقوعه".

لقد انتقل العربي من العيش في التاريخ، إلى أن يعيش التاريخ نفسه، بمعنى أن هذه الأحداث الاستثنائية ستقود إلى التغيير، وتجديد المسار في المنطقة. ولا توجد وسيلة جيدة لفهم التاريخ، مثل أن نحياه واقعاً.

لقد ارتبط التاريخ بالفهم دوماً، ولذا حين ننتقد غياب الوعي لدى مجتمع ما، قد نصفه بأنه يحيا في مرحلة ما قبل التاريخ. لقد تطور البشر عبر تدوين تاريخهم، وهذا هو ما نقلهم من حالة اللامعنى إلى المعنى. ذكر ابن خلدون في مقدمته أن التاريخ "تتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول". لكن ابن خلدون أوضح أيضاً أن لهذا العلم مستوى باطنياً من الفهم، حيث فيه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها، لذا فهو من الفنون الأصيلة، التي يعتمد عليها البشر في بناء وعيهم، وتأسيس تنورهم.

إذن هناك فرق كبير اليوم على مستوى بناء الوعي والفكر لا بد من ملاحظته. نحن في السابق، لم نكن نعرف من التاريخ إلّا ما كتب لنا، وما وصلنا عبر حبرٍ تدخل فيه الكثير من الأيدي. التاريخ معضلة، وليس سهل الفهم. لقد أحببنا قراءة ما يأتي جاهزاً، ومحكم الصنع والكتابة، وفيه الكثير من الدراما والإضافات. لكننا اليوم نرى أن الأحداث التاريخية التي تتم في منطقتنا تستعصي على الفهم، رغم أنها تحدث أمامنا. لذا فإن كان من الصعب علينا أن نقيّم ونحلل ما يحدث أمامنا، فمن باب أولى ألا نثق كثيراً بفهمنا للتاريخ، وألا نفتعل الخصومات والتعصب بناء عليه. لسان حال العربي مع ما يحدث أمامه اليوم، يصفه بيت المتنبي:

وما الجمع بين الماء والنار في يدي* بأصعبَ من أن أجمع الجدّ والفهما

إن التغيرات والأحداث التاريخية اليوم، تستحق بذل الجهد لفهمها؛ لأنها ستنتج التغيير المقبل، ولنا أن نلاحظ بعض الصعوبات التي قد يجلبها هذا التغير المتسارع على مستوى الوعي:

أولاً، مشاكل على مستوى الفهم. فمرحلة الحروب تعطل الفكر. معظم الصراعات والحروب التي تعيشها المنطقة هي صراعات داخلية، وهذا النوع من الصراعات تتضرر فيه المجتمعات ضرراً بالغاً، وفيه تداخل، يصعب معه تحديد الصديق من العدو أحياناً، وتحديد المحق من المخطئ.

ثانياً، التحدي على مستوى الهوية، فصياغة وتشكيل الهويات، التي تتم عبر الأزمات والأحداث القاسية، لا تشبه بالتأكيد، الصناعة السليمة للهوية، التي تتم من خلال الفلسفات والثقافة، وعبر رؤية متكاملة وأخلاقية.

ثالثاً، المستفيدون من الصراع ليسوا بالضرورة ممن انخرطوا فيه. التحليل لما يدور من خطوات راهنة قد لا يكفي، فما يحدث يحتاج إلى وقت لكي يتبين أثره، وكذلك ليتبين اللاعبون المؤثرون في المرحلة المقبلة، وهم قد يختلفون عن البارزين اليوم.

رابعاً، يوجد عدم ثقة في أجهزة الدولة، وكذلك في الأطراف السياسية المتصارعة؛ ولذا يصعب أن تجد من يرعى عمليات الحوار والتوافق التي تقود إلى مستقبل أفضل.

خامساً، الانخراط في صراعات وأزمات حادة، يعطل الخطط التنموية والتعليمية التربوية في البلدان العربية، وتراجع الوعي العام يمثل ضريبة أكيدة لعدم الاستقرار.

صحيفة العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة