العلاقات السودانية المصرية.. إلى أين؟

ما حدث أخيراً من سجال إعلامي بين الدولتين جدّد المخاوف من انزلاق الصراع إلى ما لا يحمد عقباه.

الأحد، 26-03-2017 الساعة 22:11


لم تكن العلاقات السودانية-المصرية على ما يرام في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد 30 يونيو/حزيران 2013؛ إذ كان النظام المصري متوجساً من حكومة الخرطوم ويراها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي حُظرت في مصر أخيراً، واعتُبرت جماعة إرهابية. الخرطوم من ناحيتها، لم تكن مرتاحة من الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي رغم كونها اكتفت بالقول: "إن ما يجري في مصر شأن داخلي".

لكن، ما حدث أخيراً من سجال إعلامي بين الدولتين جدّد المخاوف من انزلاق الصراع إلى ما لا يحمد عقباه، حيث بدأ التراشق إثر زيارة للشيخة القطرية موزا بنت ناصر إلى السودان، الزيارة كانت عادية كما يصف مراقبون، ذات طابع إنساني وثقافي، إلا أن صوراً التُقطت للشيخة وهي تزور أهرام البجراوية في ولاية نهر النيل كانت كفيلة بتفجر الغضب في وسائل الإعلام المصرية، التي وجّه بعضها إساءات بالغة إلى الحضارة السودانية وتاريخها؛ بل شملت حملة السخرية والإساءات، ضيفة البلاد والإنسان السوداني بصورة عامة.

غير أن الإساءات الإعلامية المصرية لم تكن جديدة، وليست الأولى من نوعها، فمنذ القدم حرصت السينما المصرية على حصر المواطن السوداني في شخصية البواب (عثمان) الكسول الذي لا ينطق العربية إلا بلهجة مُكسرة.

هنا نشير إلى حديث الباحث السوداني النور حمد.. الذي كان واضحاً، مؤكداً أن ما يحصل من الإعلام المصري سابقاً وحالياً، ليس محض صدفة أو ردود فعل محدودة، وإنما هو دور مرسومٌ بدقة ضمن منظومة مصرية ممتدة منذ تكوين ما عُرف بمصر الخديوية.. وأن الأمر في نظره حالة ذهنية تتقمص العقل المصري وفكرة تسيطر عليه بقوة.. تقوم على أن السودانيين فئة دونية وأن الاستعلاء المصري علي هذه الفئة الدونية شيء طبيعي بحكم هذه الذهنية، وأنه ليس من حق السودانيين الاعتراض على هذا الاستعلاء.

إلى جانب ذلك، استقر في وجدان كثير من المصريين أن السودان كان جزءاً من مصر، ربما لمشاركة الأخيرة في الحكم التركي الذي أخضع البلدين لسلطانه (السودان ومصر)، ثم شاركت القاهرة المستعمر البريطاني في الإشراف على السودان فترةً محدودةً، فكان أن منح مصر بعض السلطات ذات الطابع الإداري؛ من أجل المساعدة في حكم الخرطوم، ومن هنا جاء لقب (ملك مصر والسودان) الذي أُطلق على الملك فاروق "1965/1920" رغم عدم اعتراف العديد من دول العالم بهذا اللقب، حيث لم ير الملك فاروق السودان بعينه ولم يزره حتى!

فضلاً عن وجود تناقضات تاريخية في هذا الخصوص؛ إذ إنه في الوقت الذي نال فيه السودان استقلاله عن بريطانيا مطلع يناير/كانون الثاني 1956، كان الملك فاروق لا يزال يحكم مصر إلى أن تمت إطاحته إثر ثورة 23 يوليو/تموز 1952. وهو ما يعكس تناقضاً في رواية حُكمه السودان.

لُوحظ أن عدداً من الإعلاميين المصريين، من بينهم الكاتب جمال سلطان، وجهوا اللوم إلى فضائيات بلادهم، معتبرين أنها كانت السبب في التصعيد الأخير، داعين إلى التعقل؛ حرصاً على العلاقات التي تؤكدها روابط الدم والتداخل الأسري، حيث توجد العديد من الأُسر والعوائل المشتركة بين البلدين، إلا أن الصوت الأقوى في الإعلام المصري هو صوت الإساءة والسخرية والتقليل من شأن السودان ومواطنيه، فهذا الإعلام لم يُحدِّث المصريين عن تضحية أهل السودان بـ150 كيلومتراً من أراضيهم لأجل قيام السد العالي، وإغراقهم (السودانيين) لأعرق مدينة في التاريخ "وادي حلفا"، وتهجير أهلها للسبب ذاته.

كذلك، لم يحدثهم عن مشاركة الجندي السوداني نظيره المصري جنباً إلى جنب في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وعن تسليم الخرطوم قاعدة "وادي سيدنا" الجوية للطيران المصري، عندما كانت القواعد المصرية في مرمى سلاح الجو الإسرائيلي، فضلاً عن أن الإعلام المصري والنخب المصرية لم تخبر شعبها بأن الخرطوم أمدّت القاهرة بوثائق مهمة من دار الوثائق السودانية أثبتت ملكية "طابا" لمصر، وهو ما جعل الأخيرة تكسب معركتها مع الكيان الإسرائيلي حول المنطقة التي كانت محل نزاع طويل.

العلاقات بين السودان ومصر من المفترض أن تكون راسخة، يحكمها التنسيق المشترك والمصالح التي تعود بالنفع على البلدين، لكن الأنظمة السياسية في كلتا الدولتين لم تكن على قدر المسؤولية، ربما كانت العلاقات في وقت سابق أكثر تطوراً ورسوخاً، إلا أنها في الفترة الأخيرة ظل يحكمها الهاجس الأمني، خصوصاً من الجانب المصري الذي كان -ولا يزال- يسند ملف العلاقات مع السودان إلى جهاز المخابرات وليس وزارة الخارجية.

نظراً لعدة ملفات شائكة تعيق مسار العلاقات، على رأسها قضية مثلث حلايب المتنازع عليه بين البلدين، والذي يخضع لسيطرة الجانب المصري منذ عام 1995، تاريخ محاولة اغتيال حسني مبارك في إثيوبيا، والتي اتُّهم نظام الخرطوم آنذاك بالتورط فيها.

إلى جانب حلايب، شكّل حظر السودان استيراد منتجات غذائية مصرية غضباً في الأوساط السياسية والاقتصادية هناك، ورغم كون الإجراء فنياً اتخذته العديد من دول العالم، فإن انضمام السودان إلى الدول التي حظرت المنتجات المصرية كان كفيلاً بإشعال الغضب وموجة من "الردح" على السودان؛ بل إن مسؤولاً مصرياً رفيعاً أساء إلى السودان بألفاظ عنصرية لم يعتذر عنها حتى اليوم.

أيضاً، لا ننسى مباراة مصر والجزائر التي استضافتها مدينة أم درمان السودانية عام 2009، ما إن انهزم المنتخب المصري حتى شنّت الفضائيات المصرية حملة "ردح" على السودان استمرت أياماً عديدة.. بدلاً من الإساءات والشتائم، كنّا نتمنى أن تبادر الجهات البحثية ومراكز الدراسات المنتشرة في مصر، بعمل دراسات وافية وحملات استقصاء؛ لمعرفة أسباب التحول الذي حدث في السودان تجاه القاهرة؛ إذ إنّ أي متابع للرأي العام السوداني سيلاحظ بسهولة أن الشعب هناك أدار ظهره لمصر تدريجياً، ربما للأسباب التي ذكرناها آنفاً، بدا هذا التحول واضحاً إبان مباراة منتخبي الجزائر ومصر في أم درمان، حيث انحازت الجماهير السودانية إلى منتخب الجزائر، الأمر الذي فاجأ كل الأطراف بما فيها منتخب الجزائر ومشجعوه، فضلاً عن المنتخب المصري والمشجعين المصريين الذين اختاروا السودان؛ اعتقاداً منهم أن الجمهور السوداني سيقف إلى جانب منتخب مصر.

لن تكفي بيانات التهدئة التي أصدرها الطرفان، ولن يستقيم حال العلاقات السودانية-المصرية إلا بإعادة بناء الثقة ووقف ثقافة الاستعلاء والغطرسة التي ينتهجها بعض المصريين، خصوصاً في عهد الإعلام البديل الذي لم تعد فيه المعلومة محتكرة، كما أن هناك ضرورةً لحل جميع القضايا العالقة، وعلى رأسها مثلث حلايب، فلا يمكن تطوير العلاقات ما لم تُحلّ قضية حلايب التي ترفض مصر مناقشتها نهائياً، وتصر على اتباع سياسة فرض الأمر الواقع.

في حين يرى السودانيون أن ما يحدث في حلايب هو احتلال صريح لأرضٍ سودانية تعادل مساحتها حجم ولاية الجزيرة. لذلك ربما تلجأ حكومة الخرطوم إلى اتخاذ مواقف مناهضة لمصر أو بعيدة منها على أقل تقدير مثلما حدث مع ملف سد النهضة الإثيوبي الذي لا يخفي السودان دعمه له، حتى على الصعيد الشعبي يتجلى تعاطف الشباب السوداني مع السد الإثيوبي، في حين تبدو مصر وحيدة إزاء موقف لا تُحسد عليه.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة