العلامات التجارية إذ تطارد الحجيج

تعبيرات عن ثقافة الاستهلاك الجارفة في واقع المجتمعات فكيف للشركات أن تتجاهل استمالة الجماهير عند تزاحم الأقدام؟

الجمعة، 18-09-2015 الساعة 09:30


مظلة تتراءى للناظرين فوق الرأس، وحقيبة محمولة على الظهر، أو سجادة للصلاة قابلة للطيّ .. إنها "الهدايا" التي تغدقها الشركات على الحاج في رحلة عمره التي طال انتظارها، دون أن يلحظ أنها وسائط تستعمله بدهاء في الترويج لعلامات تجارية تحرص على تسجيل حضورها في أعز البقاع.

إن كان الإحرام إيذاناً بتجرّد الحاج من متاع الدنيا وزينتها، فإلى أي مدى ينسجم هذا مع لوحات إعلانية متزاحمة تأتي بصخب الدنيا وضجيجها الاستهلاكي وألوانها الأخاذة إلى عمق اللحظة المخصوصة في هذا المكان المخصوص؟

إنها تعبيرات جلية عن ثقافة الاستهلاك الجارفة في واقع المجتمعات، فكيف للشركات الكبرى أن تتجاهل استمالة الجماهير عند تزاحم الأقدام؟ هي لا تكلّ عن مطاردة المُحرمين بعلاماتها التجارية الطاغية ورسائلها الدعائية المشفوعة بعبارات ومؤثرات تغلفها بما يتواءم ظاهرياً مع خصوصيّة الظرف.

ولهذه الهدايا التجارية مفعولها الإعلاني فائق التأثير، فهي مصممة كي يستخدمها الحاج في حله وترحاله، وفي طوافه بالكعبة وسعيه بين الصفا والمروة، وفي وقوفه بعرفه ونزوله بمزدلفة ومبيته بمنى، فضلاً عن تجوال التسوق لشراء الهدايا قبيل عودته إلى وطنه.

تسعى الشركات لتوظيف الحاج لصالح مرامي العلاقات العامة والتسويق التي تحددها لذاتها. يمضي أحدهم حاملاً وسائط إعلانية يتحرك معها بدأب ونشاط بين الحشود الغفيرة، دون أن يلحظ الخدمة الجليلة التي يسديها للعلامة التجارية التي تسعى لزيادة قيمتها المعنوية ومردودها التسويقي.

من ينشد الفكاك من المطاردات الإعلانية في هذا الموسم فما عليه سوى الولوج إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة أو المسجد النبوي بالمدينة المنورة، ولن تفارقه داخلهما أيضاً رسائل دعائية يحملها رفاقه في أيديهم وعلى عواتقهم.

حسب تقاليد الصنعة؛ فإنّ خبراء الإعلان والترويج يرون في تزاحم المسلمين بالملايين في هذا الموسم هدفاً جذاباً للقصف بالرسائل الدعائية، وترسيخ أقدام العلامات التجارية في أكناف المشاعر المقدسة، يا لها من فرصة!

إنها رموز ثقافية أيضاً، تمنح أفضليات لأنماط محددة من العيش واختيارات معينة من السلوك، يتصدرها غالباً "نمط الحياة الأمريكي" وما يلف لفّه، إذ يخاطب القادمين إلى هذه البقعة الطاهرة من كل فج عميق. إنه منحى جدير بالنظر والمراجعة، ولا يصح إعفاؤه من المناقشة العامة على أي حال، مع تنمية الحس النقدي إزاء الترويج لحمى الاستهلاك بمؤثرات الهيمنة على الوعي.

غني عن القول ما يختزنه هذا الموسم العظيم من فرص مشروعة لتبادل المنافع وتفاعل المصالح، لكنّ استدراجه إلى مزالق ثقافة الاستهلاك الطاغية التي تطارد المجتمعات في زمن العولمة الاقتصادية يستحق وقفة نقدية جادة. ولو تم إطلاق أيدي الرأسمالية الإعلانية بلا ضوابط فلن تتردد في تحويل أكناف المشاعر المقدسة إلى "سوبر ماركت" بهيج بعلامات ضوئية خاطفة للأبصار.

تتشكل انطباعات شائكة في هذا الاتجاه عبر جولة واحدة في مجمعات عملاقة تم تشييدها في السنوات الأخيرة من حول المسجد الحرام، حيث تتراص اللافتات الدعائية والرسائل الاستهلاكية والعلامات التجارية لشركات متعددة الجنسية يثير بعضها جدلاً في مواطنها الأصلية.

تبدو المساءلة مضاعفة مع تسلّل علامات عالمية اشتهرت بضلوعها في ممارسات استغلالية عبر خطوط الإنتاج، أو يثور الاشتباه بتواطؤ بعضها مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يشن هجمته الشرسة على المسجد الأقصى. إنها مدعاة لفحص أحقية علامة تجارية معينة في أن تجد لها موطئ قدم بمحاذاة قبلة المسلمين ما لم تلتزم بمعايير محددة بالجودة تليق بالبلد الحرام.

يجدر الأخذ بحزمة إجراءات عملية على أمل أن تخفف من وطأة الضغط الدعائي الاستهلاكي المتعاظم على جمهرة الحجيج، وأن تحُول دون هيمنة خبراء الترويج التجاري على الموسم.

والأحرى هو اغتنام الموسم العظيم في مخاطبة الساعين في المناسك ومن ورائهم مجتمعات عريضة عبر العالم برسائل إعلانية تعزز الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والقيم الأخلاقية والإنسانية، التي يحضّ عليها الإسلام الحنيف أساساً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة