العلمانية الأوروبية ومعيارية العلمانية التركية

مهمة تخفيف الآثار السلبية للعلمانية الأتاتوركية الفرنسية وظيفة الأحزاب التركية والحكومات الديمقراطية.

السبت، 06-08-2016 الساعة 19:38


لم تنبت العلمانية منذ نشأتها الأولى في تركيا نبتاً طبيعياً، فلم تكن نتاج صراع اجتماعي بين رجال الدين ورجال السياسة، ولا نتيجة صراع بين سلطة دينية روحية وسلطة دنيوية زمنية كما حصل في أوروبا، وإنما رغبة مشتركة بين مؤسسي النظام الجمهوري التركي الوارث للنظام السياسي العثماني، ورغبة أوروبية أن يتم تأسيس الجمهورية على فصل الدين عن الدولة، وإبعاد قادة الدولة العثمانية السياسيين والعسكريين عن مواصلة الحكم في العهد الجمهوري، ولذلك عمل أتاتورك على تقريب الموالين له من القادة العسكريين والسياسيين في العهد العثماني إلى أن يكونوا نواة رجال الحكم في الجمهورية الجديدة، وإبعاد كل من يريدون بقاء النظام السياسي القديم على حاله كما كان في الدولة العثمانية، فبعض المشاركين مع أتاتورك في تأسيس الجمهورية كانوا يرون ضرورة مواصلة الدولة الجديدة لنفس الدور السياسي الذي كانت تقوم الدولة العثمانية، ولكن هذه التوجهات لم تجد الموافقة من أتاتورك، فعمل على إلغاء الخلافة عام 1924 بعد أن ألغى السلطنة عام 1923، لأن مفهوم السلطنة كان يعني الجمهورية التركية القومية الأناضولية، بينما الخلافة رابطة إسلامية عالمية لا يملك الأتراك وحدهم إلغاءها، ولكنه فعل ذلك لإنهاء صلة الجمهورية التركية الوليدة بالخلافة الإسلامية حتى لو وجدت في مكان آخر خارج تركيا، بل عمل على منع إعادة الخلافة خارج تركيا حتى لا يرتبط بها سياسياً، وقد كان يمكن أن يكون محرجاً أو مضطراً للانتماء إليها لو تم نقل منصب الخلافة إلى العرب أو غيرهم من المسلمين، بحكم أن الشعب التركي كان لا يزال ينتمي دينياً لمفهوم الولاء والتابعية لمنصب الخلافة.

لو بقي منصب الخلافة قائماً ولو صورياً لأمكن إحداث تطور تاريخي في الحياة السياسية الإسلامية، بإنتاج نظام سياسي جديد، بحيث يكون نظام الحكم في الخلافة العصرية هو النظام الجمهوري، في الإدارة والسياسة والاقتصاد والجيش والدخول في مراحل الحداثة والتحديث، دون انفصال عن القيادة الدينية المتمثلة في منصب الخلافة، وكأنها منصب ديني روحي، ولكن ذلك لم يكن ممكناً لأن هذا التطور سيجد الكثير من المصاعب وتنازع السلطات وتشتت الولاءات للمواطنين، وبالتالي لم يكن ممكناً الفصل بين السلطنة والخلافة عملياً بطريقة انقلابية، حسماً لوحدة الشعب التركي، وبالتالي فإن إقامة النظام الجمهوري على مبدأ إبعاد التأثير الديني في صياغة النظام السياسي الحاكم كان نوعاً متميزاً للمسلمين في إقامة علمانية متميزة، تتفاعل فيها ضرورة التجديد السياسي مع معتقدات الشعب الدينية والحضارية، أي في إيجاد نظام حكم يجدد في النظام السياسي في بلاد المسلمين، يجمع بين الدين والسياسة بطريقة جديدة، ولا يفصل بينهما كما حصل في أوروبا، بين سلطة دينية للكنيسة ورجال الدين، وسلطة سياسية تختص بمعالجة الشؤون الحياتية واليومية والاقتصادية وغيرها، ولكن ذلك لم يتم في بداية التاريخ الجمهوري في تركيا، مما يشير إلى أن مؤسسي النظام الجمهوري في تركيا ذهبوا إلى تطبيق نظام سياسي مستورد ومنتج في بيئة أخرى هي البيئة الأوروبية، غير المشابهة للبيئة التركية المسلمة في تنظيم علاقة الدين بالسياسة، لذلك جاء تطبيق النظام العلماني الأوروبي الفرنسي في تركيا في السنوات الأولى للجمهورية التركية 1925 ولغاية 1945 نظام حكم فاشل وغير منتج اقتصادياً وعاجز عن معالجة مشكلاته وأزماته في كل المجالات، ولذا لم يكن من بد أن يقوم على الاستبداد والدكتاتورية والعنف والقتل والتشريد، وهكذا تحول مشروع تطوير نظام الحكم السياسي في تركيا إلى صدام بين جهاز الحكم السياسي المتمثل بأجهزة الدولة بشكلها الأوروبي مع النظام الاجتماعي المتحدر من نظام اجتماعي مطبق لقرون طويلة في تركيا وخارجها، هذا الصراع والعنت الاجتماعي لم يتوقف حتى عام 1950 وظهور حكومة تركية جديدة لا تصارع المجتمع وإنما تتفهمه وتتقرب إليه، والخلاصة أن العلمانية الأتاتوركية المستنسخة للتطبيق الفرنسي للعلمانية قد زُرعت في بيئة غير صالحة لها، وهذا أدى إلى فشل العلمانية الأتاتوركية في عقودها الأولى، والبحث عن علمانية تتوافق مع البيئة التركية أولاً، وتتوافق مع معتقدات الشعب التركي المسلم ثانياً، وهو ما أصبح من مسؤولية البرامج الحزبية التي تقدمها الأحزاب السياسية قبل الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومات التركية على أساسها مع كل انتخابات برلمانية، حتى أصبحت ماهية العلمانية التي تدعو لها الأحزاب التركية ركنا أساسياً في الحملات الانتخابية البرلمانية، لأنها كانت من أكبر عوامل توتر المجتمع التركي، وتسبب في إدخاله في انقلابات عسكرية متوالية.

لم تكن الانقلابات العسكرية السابقة في تركيا تدافع عن علمانية الدولة التركية فقط، وإنما تدافع عن النمط الفرنسي للعلمانية والذي فشل في إرضاء الشعب التركي المسلم بعد تطبيقه بقسوة في عهد حكم أتاتورك وعصمت إينينو في عهد حكم حزب الشعب الجمهوري المتفرد بالحكم حتى عام 1950، وبعدها أخذت حكومة الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس تطبيق علمانية جديدة ترفع العنت عن الشعب التركي، وأكثر قبولاً وإن لم تكن هي العلمانية المنشودة، ولذلك بقيت مهمة تخفيف الآثار السلبية للعلمانية الأتاتوركية الفرنسية وظيفة الأحزاب التركية والحكومات الديمقراطية التي تلبي الاحتياجات الشعبية أولاً، ولم تكن الدولة العميقة التي كان محورها حزب الشعب الجمهوري في المعارضة وقيادات عسكرية متشددة في تطبيق العلمانية الأوروبي، بسبب ارتباط كليهما بالمشاريع والرؤى الغربية الأمريكية والأوروبية لصورة تركيا والعلمانية لتركية، فكانت الانقلابات العسكرية تدعي التمسك بالعلمانية الأتاتوركية وهي تعلم أن الشعب التركي يرفض العلمانية الأتاتوركية الفرنسية لأنها زرعت في غير بيئتها الأصلية، وهذا كاد أن يوجد شرخاً بين الجيش والشعب التركي، فقد بدا الجيش قيماً على العلمانية الأوروبية الفرنسية الغربية والغريبة عن المجتمع التركي، بينما الشعب يطالب بعلمانية تركية يتم إنباتها في المجتمع التركي وتطويرها بما يتوافق مع تفكيره المعاصر أولاً، وغير المعادي للإسلام ولا الهوية الحضارية التركية.

هذه القراءة أقرّ بها بيان مجلس شورى رئاسة الشؤون الدينية في تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة يوم الجمعة 15 يوليو/ تموز 2016 ، وهو يعالج مشاكل المجتمع التركي الفكرية والثقافية العامة، والمشاكل التي أحدثتها أو استغلتها حركة فتح الله غولن، باستغلال حالة الاضطراب الاجتماعي، وتقديم رؤاها غير السليمة ولا السلمية، فقال البيان في نقاطه الأخيرة: "سيتم العمل المشترك مع المنظمات غير الحكومية للحيلولة دون تشكل البنى الشبيهة ودون تكرار الأخطاء الشبيهة.

-يجب القيام بأعمال مشتركة بين رئاسة الشؤون الدينية وبمعرفة المجلس الأعلى للشؤون الدينية على وجه الخصوص مع التشكيلات الاجتماعية الدينية الأهلية التي تقدم الدعم في التعليم الديني والخدمات الدينية في تركيا – دون التدخل في حرياتها – حول قضايا كالثبات على طريق الإسلام الأساسي الذي أسس الحضارات على مرِّ التاريخ، وعدم الابتعاد عنها، والابتعاد عن الإفراط والتفريط، والتحول إلى بنىً أكثر شفافية وقابلية للمراقبة.

-البنى الدينية التي تولدت في الفراغ الناشئ بسبب عدم قيام المؤسسات الخاصة ببلدنا في فترات التوتر السياسي الاجتماعي الذي حصل في علاقات الدين والدولة والمجتمع في مستوى الكفاية والزمن المطلوب طيلة تاريخ الجمهورية؛ بلغت من حينٍ لآخر أبعاداً تضعف فيها الحياة الدينية للمجتمع. وهذا الوضع يوجب تناول علاقات الدين والدولة والمجتمع من جديدٍ بما في ذلك تشكيل الأرضية القانونية اللازمة".

في هذه الفقرات اعتراف من أكبر مؤسسة دينية في الجمهورية التركية بوجود التوترات السياسية الاجتماعية التي حصلت في علاقات الدين والدولة والمجتمع في مستوى الكفاية والزمن المطلوب طيلة تاريخ الجمهورية، وهذا يدفع المواطن التركي للتساؤل: ألم يكن يكفي المؤسسة العسكرية مشاهدة الضعف الذي عانت منه الجمهورية التركية في عقودها الأولى حتى يتبين لها بشكل قاطع أن الشعب التركي لا يوافق على المعيارية الأوروبية للعلمانية أولاً، ألم يكن يكفيه أيضاً نتائج كل الانتخابات البرلمانية بعد تشريع قوانين التعددية الحزبية عام 1945 وتطبيقها الأول عام 1950، أنها لم تفرز حزباً سياسياً واحداً يدعو إلى تطبيق العلمانية الأتاتوركية المتشددة، بل كانت الأحزاب العلمانية المعتدلة هي التي تفوز في الانتخابات، بسبب رؤيتها للعلمانية المنفتحة والمتصالحة مع قيم المجتمع التركي ومعتقداته وحضارته.

فهل الجيش والأحزاب العلمانية المتشددة لم تكن تدرك ذلك داخل مجتمعها التركي، أم أنها لم تكن صاحبة القرار السياسي والانقلابي، وإنما هي أداة بيد اللاعبين الدوليين في الساحة التركية، وكأن الشعب التركي مطالب أن يوجه رسائل المخاطبة بتعديل هذه السياسة إلى الدول الأوروبية وليس للمؤسسة العسكرية، ولا إلى أدواتهم الحزبية او التنظيمات السرية، وهذا مثبت أيضاً في مناشدة نائب رئيس الحكومة التركية السيد نعمان كورتولموش بتاريخ 20/6/2016 فقد طالب الأوروبيين فقال:" آمل ألا تقوم بعض الدول الأوروبية، كما فعلت بريطانيا، باستخدام كراهيتها لتركيا، والبعض باستخدام كراهيته للإسلام، كورقة لتحقيق غاياتهم السياسية".

إن العلمانية هي إجراء دنيوي ينظم العلاقة بين الدين والسياسة، وهذا الإجراء متحرك وغير ثابت على نمط معين، وإنما هو إجراء متغير بحسب طبيعة الشعوب وبنيتها السياسية والدينية، والعلمانية الغربية ليست معياراً لكل انواع العلمانيات في العالم، فليس للعلمانية معيار واحد يقاس عليه، وإنما هو إجراء دنيوي في بناء المجتمعات والدول القوية والمزدهرة، وليس من شرط ذلك إقصاء الدين ولا معاداة المتدينين، فذلك عائد لإرادة الشعوب ووعيها وصلاحها، فالمجتمعات التي لا تبني نهضتها من غير دين، فإن الدين ركن أساسي من علمانيتها المنظمة للسياسة والدين، والمجتمعات التي يؤخرها الدين الكنسي تكون علمانيتها بإقصاء الدين والمتدينين، فالعلمانية إجراء عملي دنيوي عقلاني مصلحي في تحقيق سعادة الناس ومصالح الشعب، والشعوب هي القيمة على ذلك وليس المعيارية الغربية الأوروبية ولا غيرها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة