العمل القبيح في تفجيريْ العنود والقديح

من أي ناحية تأتيها فالجريمة هي الجريمة وإن تعددت أسبابها، واختلفت مصادرها فهي دم يهراق بغير حق.

الأحد، 31-05-2015 الساعة 08:49


من أي زاوية أكتب عن حادث التفجير الآثم في القديح ثم في العنود؟ فإنه وإن يكن المجال واسعًا لرص الأحرف ونثر الكلمات إلا أن الأمر نزل ضائقة عَلى صدورنا، وأعجز الكلمات عن التعبير بما يعطي هذا الإجرام حقه في الوصف، فإن كان أهل السياسة غير عاجزين عن تحليل الحادثة بامتدادها السياسي وكشف الجهة التي توظف مثل هذا الإجرام لنيل مآرب سياسية في المنطقة، كما أن المنتسبين للعلم والشريعة قادرون على الإتيان بالقوارع الربانية والزواجر القرآنية التي تبين حرمة هذا الفعل، وتوضح خطر منهج الانحراف عن طريق الحق المبين، والمنظمات العالمية بكل أطيافها وانتسابها لا تعجز عن إصدار بيانات الشجب والاستنكار لمثل هذا العمل، وعامة الناس أيضا لا تفتأُ تتحدث عن الحادث، وتبين نكارته وجرمه، ووسائل الإعلام كلٌّ يدلي بدلوه في الإنكار والشجب والتحليل، ومواقع التواصل تعلل وتبرر وتعتذر، وتلوم وتنتقد، وتستنكر أيضا، إذن من أي زاوية أقدر أن أتحدث وقد لا تفي كلماتي بوصف الحدث؟

أَلا ثكلتْ وغدَ الجريمة أمُّه

فأية نار في قلوب الورى شبّا

من أي ناحية تأتيها فالجريمة هي الجريمة وإن تعددت أسبابها، واختلفت مصادرها فهي دم يهراق بغير حق، وأنفس تزهق لا تدري من أين جاءها قدرُها، في موضع ينبغي أن يكون الداخل فيه آمنا مطمئنا.

والأدهى من ذلك والأعظم هي عندما تكون الجريمة في بلاد الحرمين وقبلة المسلمين، والحجة المعلنة هي الجهاد في سبيل الله، والغاية المرادة هي التمتع بالحور العين، والتسابق إلى جنة النعيم!

أي هدف ينشده ذلك المتحزم بالقنابل المميتة، فوق زعزعة الأمن وقتل نفسه وأنفس لا تدري لم قتلت ؟ أهي محاولة خلق الفوضى في هذه البلاد المقدسة، أم هوىً متبع، وضعف ظاهر؟

إن الجريمة النكراء من أجل الخدمات التي تقرب لأعداء هذه الأمة، وأعداء هذا البلد الذي اختاره الله مهبطًا لوحيه، ومنطلقاً لدينه وآويًا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لكننا ندرك يقينا أن ورقة القتل والتفجير والترويع هي ورقة الإفلاس الأخلاقي لهذا المفسد، المتزيي بزي الجهاد، وهي في نفس الوقت آخر أوراقه بعد أن عجز عن جر الأمة إلى الفكر الإرهابي المنحرف الذي يشوه دين الإسلام ويصد عن سبيل الله بمثل هذه الأعمال الإرهابية، ولعل طريقها أقرب إلى جهنم منه إلى النعيم.

إن تفجير القديح ومن بعده تفجير العنود في نظر من يقرؤهما جاءا متزامنين مع الهزيمة التي يلحقها الجيش والأمن السعودي وحلفاؤه بأعداء الأمة، تزامنا مع عاصفة الحزم وإعادة الأمل في محاولةً يائسة لإيصال رسالة وفتح ثغرة من الإرباك في صفوف هذا البلد، وهي محاولة العاجز المهزوم الذي فقد كل أخلاقيات الإنسانية باستهدافه للراكعين الساجدين.

لكن هذه الجريمة مع ما فيها من ألم وحزن وشناعة إلا أنها تقوينا، ولا تضعفنا أبدًا؛ لأننا نقرأ فيها ومن خلالها أفكار عدونا، وحقيقة قوته الهشة التي يلجأ بها لمثل هذه الجرائم التي لا يراعي فيها إنسانيته ولا دينه، ولكن الإرهاب لا دين له.

لقد باتت هذه الأعمال القذرة لا رواج لها في مجتمعنا الواحد، وإن حصل بين الفينة والأخرى بعض هذه الأعمال المشينة فرجال الأمن عندهم القدرة لسد الثغرات التي يتسلل منها منفذو هذه الحوادث الممقوتة، وما سرعة التعرف على الفاعل، والقبض على أعوانه ومحرضيه، إلا دليل صدق على ما نقول، وتعزيزا لثقتنا في أمننا، وقوة دولتنا ويقظة رجالها. ونحن على ثقة من قيادتنا الحازمة وشعبنا الحكيم في التصدي لكل من تسول له نفسه العبث بالأمن والاستقرار في هذا الوطن الحبيب الغالي.

لقد أثبتت المملكة حرسها الله قدرتها على قيادة الأمة وإحياء ما اندرس من تراثها وحضارتها، وما هذه الأعمال البربرية التي تستهدف أمن المملكة إلا محاولة لخلط الأوراق وإرباك الصف وثني ذوي الحزم عن السير في مشروع إحياء العز والقوة في الدفاع عن النفس وردع الأعداء.

إن أعداء هذا البلد المحروس يحاولون استغلال الحدث في زرع الفتنة وإذكاء فتيل الطائفية كما فعلوا ذلك من قبل وباءت محاولاتهم بالفشل، ذلك لأن لُحمة النسيج الاجتماعي في هذا البلد أقوى وأمتن من أن يخترقها ويضعفها هؤلاء المجردون عن الإنسانية وما أشبه هؤلاء بمن قيل فيه :

كَناطِحٍ صَخرَةً يَوماً لِيَفلِقَها

فَلَم يَضِرها وَأَوهى قَرنَهُ الوَعِلُ

نعم، إن المملكة ليست لقمة سائغة لأعدائها، وكيانها لا تهزه مثل هذه الأفعال الهمجية، ومع ذلك فإنه يجب علينا الحذر واليقظة والتعامل بحزم وقوة، وردع كل من له صلة بأي حادث من شأنه أن يخل بأمن المملكة سواء في تفجير القديح ومن ثم العنود وقبلهما في الدالوة وغيرها من الحوادث، ومتى ما أنزلنا العقاب المستحق بالمتسببين والمتعاونين كان ذلك أدعى لقطع الطريق على كل من تسول له نفسه الارتباط بأي جهة ليس لها أي هدف إلا الإخلال بأمن هذا البلد المحروس، وتفريق شمله، والاستيلاء على ثروته الدينية والدنيوية، والله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين.

(جريدة الرياض)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة