الفلوجة جبهة العراق الصامدة

شكّلت بداية عام 2014 محطة بارزة في تاريخ الفلوجة عندما تم زرع وتمكين تنظيم الدولة الذي صنعته أمريكا وإيران لتفكيك وتفتيت المنطقة العربية.

الأربعاء، 08-06-2016 الساعة 13:47


تنتمي مدينة الفلوجة إدارياً إلى محافظة الأنبار الواقعة في الجهة الغربية للعراق، وهي لا تبعد عن العاصمة بغداد سوى 60 كم فقط.

وتتمتع هذه المدينة بموقع استراتيجي هام، فهي تقع على ضفاف نهر الفرات، وتتميز بخصوبة أراضيها، حيث عرّف لسان العرب كلمة الفلوجة بالأرض الصالحة للزراعة، كل هذه المميزات جعلتها محط أنظار الإمبراطوريات الفارسية والرومانية المتعاقبة، حيث كانت مسرحاً لحروب بين هذه الأخيرة دامت لسنوات طوال.

مدينة الفلوجة تقطنها أكثر من نصف مليون نسمة، ويُطلق عليها لقب مدينة المساجد؛ لكثرة انتشار المساجد فيها، والذي يصل إلى حوالي 550 مسجداً. كما تعرف بمدينة النضال، إذ كانت أول المدن العراقية التي واجهت الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003.

وقد شكّلت بداية عام 2014 محطة بارزة في تاريخها، عندما تم زرع وتمكين تنظيم الدولة الإسلامية الذي صنعته أمريكا وإيران لتفكيك وتفتيت المنطقة العربية، فقد بدأت خيوط مسرحية داعش تتضح يوماً بعد يوم.

وفعلاً استولى هذا التنظيم على مدينة الفلوجة كلياً وبسط نفوذه على كامل ترابها، وبعدها بدأ التفكير في المرحلة الثانية للخطة الأمريكية الإيرانية لمحاصرة وتدمير هذه المدينة؛ لأنها أضحت تشكل حصناً منيعاً في وجه هذا المشروع الذي يهدف إلى التوسع الإيراني الأمريكي في المنطقة تحت المظلة الدولية وأكذوبة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وبالفعل جاء إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 22 مايو/أيار الماضي بدء العمليات العسكرية لاستعادة المدينة من سيطرة تنظيم "داعش"، وبدأ القصف الحكومي المدعوم من إيران وأمريكا وبمباركة دولية.

غير أن الفلوجة أثبتت مرة أخرى أنها عصية على كل هذه المخططات التي بدأت تنكشف معالمها وتتضح النوايا الإيرانية الأمريكية في القضاء عليها ووأد المقاومة الحقيقية في هذه المدينةن التي أثبتت صمودها على مرّ حلقات مسلسل الغزو الأمريكي الإيراني للعراق.

وقد اتضحت النوايا الطائفية في هذه الحملة عندما بدأ الآلاف من مقاتلي مليشيات الحشد الشعبي الشيعي بإطلاق التصريحات الطائفية ضد أهالي مدينة الفلوجة.

وإذا أردنا أن ننظر بتمعُّنٍ لصورة العراق العامة، يتبين لنا من الوهلة الأولى أن هذه الدولة التي كانت حصناً منيعاً لكل مشاريع التمدد والتوسع بمختلف العناوين والإيديولوجيات الإيرانية منها والغربية، أصبحت اليوم دولة خارج مجال التغطية، فنصفها أضحى محافظة من المحافظات الإيرانية، تتَّبع وتُطبق وتأتمر بكل ما تصدره وتقرره طهران، ونصفه الآخر مقاطعة تابعة مباشرة للبيت الأبيض الأمريكي، حتى أصبحنا عندما نسمع كلمة البرلمان العراقي أو الجيش العراقي أو الحكومة العراقية، نحس بألم يمزق الأمعاء والأحشاء ونصاب بالدوران، لأن هذه التسميات أصبحت في ثنايا التاريخ ولا يمكن لها بحال من الأحوال أن تنطبق على هذه المؤسسات التي أوجدها النظام الإيراني والأمريكي والمنظومة الغربية ككل، لتخدم كل مصالح هذه الأنظمة المشتركة إلا مصلحة الشعب العراقي، بل بالعكس فقد تم القضاء عليه بشتى الصور والوسائل، بالتقتيل والتجويع مرة، وبالتهجير والتجهيل مرة أخرى.

هذه الصورة السوداء المظلمة التي تسعى إيران ومن حالفها من الأمريكان والأنظمة الغربية الأخرى أن تجعلها صورة للعراق ولكل المنطقة العربية من بعدها.

ولما كانت هذه هي النوايا الحقيقية والأهداف المنشودة لإيران والأنظمة الغربية وعلى رأسها أمريكا، وعندما لاحظوا ولمسوا أن المقاومة العراقية الحقيقية هي تلك التي تحتضنها مدينة الفلوجة، زرعوا داخلها السرطان المسمى داعش لكي تكون لهم ذريعة في إبادة هذه المنطقة وأهلها من الوجود كلياً، وإعادة إعمارها بأجناس أخرى قد حضّروها لهذه المهمة.

هناك من يقول إننا نبالغ في وضع تحاليل كهذه، فنقول لهؤلاء بماذا تُفسرون وجود قوات الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني تحاصر هذه المدينة داعمة لمليشيات الحشد الشعبي، والتي في الأصل ما هي إلا فصائل تابعة للحرس الثوري تأتمر بأوامره، بدون الحديث على ما يسمى بالجيش العراقي الذي هو صورة طبق الأصل للمليشيات التي صنعتها إيران وزرعتها داخل المنطقة العربية، وبالتالي فإن إيران حاضرة بقوة في هذه المعركة المفتعلة للأغراض التي أشرنا لها سابقاً.

وكان مستشار "قاسم سليماني" العميد "إيرج مسجدي" قد صرّح بأن دخول قوات الحرس الثوري الإيراني بجنوده وضباطه في معركة الفلوجة كان لهدف واضح كي تبقى إيران مركزاً للتشيّع في العالم، وأضاف: "إننا نعتبر هذه المشاركة دفاعاً عن إيران وحدودها".

وقد ذكر مسجدي حسبما أورد موقع "بسيج نيوز" التابع للحرس الثوري، أن الأسباب التي دفعت إلى مشاركة فيلق القدس في معركة الفلوجة هي وجود التيارات التكفيرية، حسب قوله، التي تسعى لاحتلال العراق وسوريا من أجل الوصول إلى إيران مركز التشيّع في العالم.

كما بيّن مستشار سليماني بكل وضوح وبكل صراحة أمام وسائل الإعلام العراقية أن الحروب التي تخوضها إيران داخل الدول العربية هي من أجل إضعافها وتدميرها وتفتيتها، عندما قال: "من أكبر الأخطاء الاستراتيجية محاربة عدوك داخل حدودك الجغرافية، يجب أن ننقل معاركنا مع العرب إلى داخل الدول العربية".

في الأخير نطرح السؤال الآتي:

ألا يمكن أن يجعل صمود مدينة الفلوجة أمام كل مخططات الاحتلال الإيراني الأمريكي للعراق منها جبهة للصمود العراقي؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة