الفن والإرهاب.. حين تتّحد الراقصة مع الذبّاح!

أخيراً: امتلأت مساحة لطالما شكلّت فراغاً مخيفاً لدى صانعي الإعلام، ومثلّت تحدياً أمام صواريخ الإعلام الحديث.

الاثنين، 13-07-2015 الساعة 09:58


أخيراً؛ امتلأت مساحة لطالما شكلّت فراغاً مخيفاً لدى صانعي الإعلام، ومثلّت تحدياً فكرياً شديد التحصين أمام صواريخ الإعلام الحديث بكل مكره وتقنياته، فقد تم اختراق مجتمع الجهاديين أو الملتزمين (أو المتزمتين بالنسبة للبعض!) إعلامياً، وهو مجتمع مغطى بدرع ديني سميك من فتاوى تحريم التلفاز والأغاني والنظر إلى الغواني! من بعد أن ظلوا في الظلّ بعيداً عن "ضلال!" منتجات الإعلام التقليدية الموجهة ذاتياً إلى القلب والعاطفة، وصار لهم قطبهم الإعلامي الجديد.. الذي ينقلهم بعيداً نحو مزيد من الإفراط والتنطع!

وهذه الفئة من مجتمع المشاهدين، أو المستهلكين للمنتجات الإعلامية، أو المتلقين لرسائله المبثوثة عبر الفضائيات والشبكات الاجتماعية، فشلت معهم- سابقاً- سياسة الانحدار بـ"المشاهد" نحو خط أو قطب "التفريط" المتكامل مع الهوى البشري، بكل مرادفاته من تساهل، وتهاون، وتراخٍ، وانفلات، وإهمال، وانفكاك عن القيم، بل إن هذا القطب مثّل استفزازاً مباشراً لتلك الفئة، التي قاومت عبر عقود سياسات التعدي على الخطوط الحمراء، وتجاوز الثوابت وهتك الممنوعات.

من بعد كل هذا، نجد أنفسنا أمام عبقرية إبليسية فائقة التطور، تفتّقت عن انفجار إعلامي ضخم يستهدف بشكل مباشر فئة الإسلاميين التي أشرنا إليها، مع مراعاة الخطوط الحمراء الفكرية التي لطالما قاوموا اختراقها بالإعلام التقليدي.

والعبقرية الإبليسية التي نشير إليها "لا" تسعى لهتك تلك الخطوط، و"لا" تستهدف مسحها و"لا" تجاوزها (والعياذ بالله!)، بل تسعى لتعزيز تلك الخطوط الحمراء، وتشديد لونها، وزيادة حمرتها، وتغليظ مساحتها، وسقيها بالدم الأحمر القاني المراق باسم الدين، إنه القطب الإعلامي الجديد الذي صار يجذب جمهوراً واسعاً وحيوياً، القطب "الإفراطي"!

والقطب الإفراطي هو القطب الإعلامي الثاني والجديد، الموازي لقطبه التقليدي: "التفريطي"! ولطالما كان "الإفراط" و"التفريط" هما قطبا الشر التقليديان للفلسفة الإبليسية، ومؤخراً امتدت مساحات الإعلام الحديث نحو قطب "الإفراط" لأول مرة، وبزخم هائل تسنده التقنية الإعلامية الحديثة بكل إمكاناتها، وبتكامل مذهل بين أركان الإعلام الرئيسية، من مرسل وناقل ومتلقٍّ ورسالة شديدة التطرف والتنطع والغلوّ!

وهذان القطبان الإعلاميان ذوا خطين متوازيين ظاهرياً، تلتقي نهايتهما البعيدة في الشر المطلق، ولكل قطب ميل بالهوى والجمهور، إما صعوداً باتجاه الإفراط الشديد، أو هبوطاً باتجاه التفريط الشديد، كما أن لكل من هذين الخطين فنه وأدبياته وسوقه!

ولسنا بصدد استعراض مظاهر استقطاب الجماهير بين هذين الخطين، فالتفريط كان، وما زال، المربع الإعلامي الأول، الذي أسرف في نطاقه العالمي عموماً، والعربي خصوصاً، بالابتذال وانتهاك القيم المتدرج عبر عقود، وملأ الشاشات والمطبوعات -عموماً- بصنوف التعدي على الأخلاق وانتهاك الخصوصيات المجتمعية، مع تقبل هادئ -نسبياً- من الجمهور لجرعات الانتهاك، أما الإفراط: فظهر جليّاً مع تطور إعلام شبكات التواصل الاجتماعي وانخفاض كلفة البث الفضائي الرقمي، وبروزها كوسط ناقل مجاني لأفكار جماعات مثل القاعدة سابقاً، وداعش حالياً، فضلاً عما سواها من القنوات الفضائية الطائفية ذات المضمون الشديد السطحية والشديد الاستقطاب إلى حد التعصب باتجاه الديانة أو الطائفة أو القومية، وهذا القطب يركز على إبهار الصورة، وتحشيد جمهور المشاهدين عبر استفزاز المشاعر بمشاهد حادة، بسطحية خالية من مضمون فكري. وعموماً، فإن الخط الإفراطي في الإعلام أحادي النظرة والتغطية، يركز على التهديد والتخويف والانتقام وتعويض "نقص" ما في مشهد القوة المائل لكفة أطراف يحاربها هذا الخط.

والموضوع الذي نتحدث عنه، أي الثنائية القطبية للإعلام، شديد الحداثة، كما أنه بالغ الأهمية ويتطلب بحثاً موضوعياً مؤصّلاً ومتخصصاً، ونحن نسعى هنا فقط لاستكشاف بعض ملامحه.

وبناءً على ما سبق؛ هل يمكن لمشهد راقصة عارية أن يتوافق (في نقطة ما) مع مشهد جزّ لرقبة أسير أو تفجيره في إصدار إعلامي لداعش، أو تسريب فيديو للحشد الشعبي؟ الجواب نعم! فكلا القطبين؛ الراقصة بتمثيلها لقطب التفريط، والذبّاح الملثم بتمثيله لقطب الإفراط، يقومان على انتهاك قيم إنسانية. فقطب التفريط ينتهك قيماً أخلاقية وإنسانية باتجاه المادية والتمييع، واستعلاء الشهوات، وبث الحرية المطلقة غير المقيدة، والترويج للـ"متعة" كقيمة عليا على ما سواها من قيم، أما قطب الإفراط فهو ينتهك قيماً أخلاقية وإنسانية أيضاً، ولكن باتجاه التحقير من الكرامة الإنسانية، واستعلاء الذات القوية في إطار من العقائد (أو تفسيراتها)، ونبذ الآخر وكل "مختلف" عقائدياً أو طائفياً أو عرقياً، وتغليب لغة الجسد والسلاح على منطق الفكر والحضارة، والعودة بالحياة إلى حالة الصراع الفطرية.

ليس هذا فحسب، بل إن كلا المشهدين؛ مشهد الراقصة، ومشهد الذبّاح، رغم تضادهما الظاهري، فإنهما يلتقيان في برمجة المشاهد باتجاه استقطابه نحو أحدهما، ليصبح المشاهد مرشحاً لأن يكون جزءاً واقعياً من مشاهد قادمة، سواء تم بث هذه المشاهد إعلامياً أم ظلت بعيدة عن الكاميرات. فالراقصة بتحطيمها للقيم الأخلاقية التي أشرنا إليها تميّع المشاهد باتجاه "تقبّل" العري، ثم ممارسته في مرحلة متقدمة، إن توفرت ظروف لذلك! ليتحول مشهد الرقص من مجرد تسلية عبثية هابطة، إلى "أوامر برمجية" موجهة إلى عقل المشاهد، تعيد ترتيب سلوكه وتعبث بمراكز القيم بتفكيره، إن لم تتم مقاومتها بقيم مضادة.

الأمر ذاته ينطبق على مشهد الذبّاح، الذي يبرمج المشاهد على "تقبل" انتهاك إنسانية الضحية على يد الملثم الذي يذبحها أو يفجرها أو يغرقها، ومع كثرة التكرار يصبح مشهد الانتهاك نوعاً من الدعاية، تهيئ المشاهد لممارستها لاحقاً إن تعاضدت خلفيته الفكرية أو المجتمعية مع ظروف موضوعية تسمح بمثل هذه الممارسات، ولنأخذ على سبيل المثال حالة القتل عبر الذبح التي قام بها أحد مؤيدي داعش في فرنسا مؤخراً، فمثل هذا تلقى تدريباً ضمنياً من خلال مشاهد الذبح التي تفننت داعش بإخراجها سينمائياً.

لذا؛ حين ننبهر من الفظاعات التي يقوم بها بعض الوحوش من أبناء جلدتنا هذه الأيام، فإنه يلزمنا البحث في الأوامر البرمجية التي استقبلتها عقول مثل هؤلاء من وسائل الإعلام عبر فترات ممتدة، والتي روّجت لمبدأ تجاوز القيم نحو اللاقيم، سواء بمبرر ديني أو شهواني، فقطبا الإفراط والتفريط في النظرية الإعلامية التي نشير إليها هنا، يتعاضدان بإنشاء أنماط من البشر قابلة للانفلات من الضوابط عند أي "ضغط" فكري أو عاطفي، ليتعاضد فن "الإرهاب" مع الإرهاب "الفني" ضد القيم والضوابط والفكر والقوانين. وما بين القطبين.. ستسيل مزيد من الدماء ومزيد الإنسانية!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة