القابلية للديمقراطية في الوطن العربي

يجب ألّا يكون شيطاناً ويطالب من يحكمونه أن يكونوا ملائكة فهذا أبسط نموذج عن احترام القانون.

الأحد، 07-12-2014 الساعة 19:49


في عام 1989 كتبت مقالاً في جريدة "العقيدة" الجزائرية تحت عنوان "العمل الإسلامي بين رؤية الكيف ونشدان الكم"، ومما قلته حينها أن الدولة الإسلامية التي تقول جبهة الإنقاذ أنها ستحقّقها بالجزائر في غضون أشهر عن طريق الديمقراطية هو بناء لدولة في البحر ستغرق قبل أن تولد.

تلقّيت حينها وابلاً من النقد اللاذع واتّهموني حينها أنني لا أفهم شيئاً في العمل الإسلامي ولا السياسة الشرعية، كما يوجد من أيّد أطروحتي خصوصاً مسألة الأقلية والأغلبية في الإسلام التي تخضع لمعيار كيفي، في حين أن المعيار كمّي بالمطلق في الديمقراطية، فالمهم أن تمنح صوتك في صناديق الاقتراع إلى جهة معينة ولو كنت تكفر بقيمها الأخلاقية والدينية.

ذكرت هذه القصة وأنا بصدد الحديث عن حال الديمقراطية في العالم العربي، التي تتناقض المواقف الإيديولوجية والسياسية والفكرية حولها إلى حدّ الصراعات، منها التي صارت دموية، وهذا ما يدفعنا للتساؤل:

هل المجتمعات العربية لديها القابلية للديمقراطية حتى تُطبّق وتدخل بها في عالم التحضّر كما يطالب الديمقراطيون؟

طبعاً لا يمكن أن تنجح أيّ إيديولوجية أو منهج اقتصادي أو سياسي من دون قابلية فكرية له في الوسط الذي سيجري تنفيذه، ومهما تكن الايجابيات القائمة في هذه التجارب المستوردة، فإن عدم القابلية لها تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، تكون على حساب البلاد والعباد. ومن دون الذهاب بعيداً في مناقشة هذه الإشكاليات التي تحتاج إلى رؤى دينية واجتماعية وسياسية وفلسفية وفكرية، فإن المتأمل في المجتمعات العربية ونظرتها للديمقراطية يجدها تنقسم إلى عدة أقسام:

الأول: شريحة لا يُستهان بها؛ ترى أن الديمقراطية من نواقض الإسلام، والعمل بها هو خروج عن الملّة وعقيدة الأمة التي فيها الحاكمية لله وحده وليست للشعوب، أما الحزبية التي هي من أبرز ممارسات العمل الديمقراطي؛ فيرونها تتناقض مع الموروث الإسلامي. مما يعني أن تطبيق الديمقراطية عليهم من سابع المستحيلات، كما سيساهمون في افشال أي مشروع ديمقراطي في أوطانهم، وأيّ محاولات لفرضها بالقوة سواء من قبل الأنظمة أو القوى الكبرى ستؤدي لعواقب وخيمة؛ لأن ذلك سيفتح أبواب الصراعات كما أنه يتنافى مع القيم الديمقراطية بحدّ ذاتها.

الثاني: نسبة أخرى ترى أن الديمقراطية مجرّد وسيلة مستوردة ومباحة للتغيير وبعد ذلك لا يمكن الاستمرار فيها؛ لأنها لم تعد هناك حاجة لها بعد تحقيق الدولة وفق المبادئ الإسلامية التي منهجها في الحكم هو الشورى وليست الديمقراطية، ويوجد من حاول أن يبدع مصطلحاً جديداً سماه "الشوروقراطية".

ثالثاً: نسبة أيضاً ترى أن الشعوب العربية لا تمتلك المؤهلات لتطبيق الديمقراطية، ولذلك يجب تهيئة الظروف الثقافية والمناخ الفكري لدى المجتمعات العربية، حتى تكون لديها القابلية للديمقراطية المستوردة من الغرب، والتي يراهن عليها الأخير كفكرة ينتهي عندها التاريخ، وهي أسمى غاياته في تصدير الأفكار للعالم الإسلامي.

رابعاً: كما توجد نسبة ترى أن الديمقراطية مجرّد شكل للحفاظ على الأنظمة القائمة، فهي تستعملها من أجل التسويق لواجهة ديمقراطية مقبولة لدى الرأي العام الدولي، وفي الحقيقة تجد الانتخابات مزوّرة والترشيحات مكيّفة وفق هوى الحاكم. وهذه النسبة نجدها في الدول التي تسمى بـ"الجمهوريات" وتتكوّن غالباً من أتباع الأنظمة سواء من عامة المواطنين أو الموظّفين في أجهزة الدولة الأمنية والإدارية والحكومية.

خامساً: توجد فئة ترى أن الديمقراطية هي الحل الأمثل لحكم الأقطار العربية، ولا يمكن تحقيق الرفاهية والاستقرار والتقدّم كما هو الحال في الغرب من دون حرية الشعوب في تقرير مصيرها واختيار من يحكمها مهما كان منهجه، وتتكوّن غالباً من المتخرّجين من المدارس الأوروبية. وأيضاً من ليبراليين وعلمانيين بينهم نسبة تؤمن حقيقة بهذه النظرية، وجزء أيضاً يؤمن بذلك ولكن بمجرّد أن تفرز صناديق الاقتراع ما يتنافى مع أطروحاتهم الأيديولوجية كفوز "الإسلاميين" ينقلبون على ديمقراطيتهم ومن لم يستنجد بالجيش للانقلاب يتجه طريقة أخرى نحو التشكيك في ذمّة الشعب ومستواه الثقافي والفكري.

تُرى هل يمكن أن تنجح الديمقراطية في ظل ما تقدم وخاصة لما تكون الأغلبية تتناقض فكرياً مع الديمقراطية، وشريحة واسعة تريد استغلالها للبقاء في الحكم أو الوصول إليه، وأخرى تؤمن بها وبينها من ينقلبون على أعقابهم إن جاءت نتائج الديمقراطية في غير صالحهم؟

بالتأكيد لا يمكن أن يأتي أيّ كان لمجتمع مسلم يرى منهج الحكم عبر الديمقراطية والحزبية هو ضلال وكفر وخروج على الملّة المحمدية، ويفرض عليه الديمقراطية ويريد أن يحوّل المواطنين إلى عناصر فاعلة وبنّاءة في صناعة مستقبل ديمقراطي للوطن. كما لا يمكن أن تعوّل على من يرى الديمقراطية مجرّد وسيلة مستباحة لأجل تحقيق غايته في الوصول إلى السلطة وبعدها يرميها، وإن لم يلتحق بـ "المكفّرين" لها – إن صحّ التعبير -سيكون مع المستبدّين الذين يستغلّونها أو يحاربونها بالتزوير والتلاعب والانقلابات لما تهدّد عروشهم.

توجد متناقضات في النفسية العربية لا تتماشى حتماً مع الديمقراطية الغربية، كما يوجد واقع تربوي سيىء للغاية تتحمله الأسرة والمدرسة والمجتمع والحكومات غيّب لحد بعيد روح الاختلاف وقيمه التي هي رحمة للناس وليست نقمة عليهم.

من جانب آخر، لا يمكن أن تعيش الديمقراطية في مجتمعات وهي لا تحترم أبسط القوانين، وفي هذا السياق أذكر مثالاً يبدو بسيطاً للغاية، لكنه مهم جداً حيث أنه نادراً ما نجد في دول الغرب شرطياً أمام إشارة المرور، لكننا نرى الجميع يحترمون الإشارة ولا أحد يتجرّأ على المخالفة رغم أنه لو يفعلها فلا أحد يراه أو يحاسبه، ولكن ضميره لا يسمح له حتى في ساعات متأخرة من الليل من ارتكاب أي مخالفة مرورية.

في حين العالم العربي في عمومه تجد الشرطة في كل الزوايا ورغم ذلك؛ المخالفات لا تحصى ولا تعد والإفلات منها يأتي عبر وسائل غير مشروعة كالرشوة والمحسوبية وغيرهما، وهذا دليل بسيط على أن احترام القانون لا يأتي عن طريق مراقبة رجل أمن؛ بل عن طريق ثقافة في عقول الناس وأخلاقهم.

وأذكر في هذا السياق أن أحد المثقّفين السعوديين بدرجة دكتور في الجامعة وناشط في مجال حقوق الإنسان، التقيت به في السعودية حيث راح ينتقد حكومة بلاده التي لا تحترم القانون وتتجاوزه وليست ديمقراطية، وفي أحد الأيام وأنا في شارع الملك فهد بالرياض حيث توقّفت عند إشارة مرور حمراء وإذا به يمرّ بجنبي ولم يتوقف عندها، فتعجّبت تمام العجب من الرجل الذي لم يحترم إشارة مرور في الشارع وينتقد غيره بسبب عدم احترام القانون.

بعد يومين التقيت به مرة أخرى وسألته عن الأمر، فكان ردّه أن وقوفي عند الإشارة لا معنى له أبداً فالطريق متاحاً لا يدعو للتوقف فقد كان خالياً تقريباً من السيارات والمارّة، بالرغم أنه لم يكن كذلك. وعندما حدثته عن اتهاماته لحكومة بلاده بعدم احترام القوانين وهو لم يحترم مجرّد إشارة حمراء تفرض عليه التوقف لبعض الثواني، فراح يبرّر مخالفته بأن الدولة تعيش في فوضى كبيرة واحترامه لإشارة مرور من شخصه لن يقدم ولن يؤخر شيئاً، ويجب مراجعة شاملة للدولة، واحترام القانون يبدأ من القمة ويصل للقاعدة حسب قوله.

قلت له حينها أنه لو فكر الكل بمنطقه فلن يحترم القانون أبداً، ولذلك لا يجب أن يكون شيطاناً ويطالب من يحكمونه أن يكونوا ملائكة، فهذا أبسط نموذج عن احترام القانون ممن يطالبون بالديمقراطية، وتوجد الكثير من النماذج بدول عربية أخرى فيها ما يُشيب له رأس الأقرع، ولو عمّمناها على كل جوانب الحياة؛ سنجد أن الفوضى هي ما يحكم التفكير والخيال العام في العالم العربي.

الأمر نفسه ينطبق على الديمقراطية التي لا يمكن أن تستورد من وراء البحار مثلما تستورد الأقمشة والألبسة والمواد الاستهلاكية، ومن المستحيل أن تنجح إلا عند الذين يؤمنون بها وتتماشى مع قيمهم الدينية والاجتماعية والثقافية، أما من يكفّرونها أو يخادعون بها أو يستغلّونها لغاياتهم فستجعل الأوطان تغرق في الاستبداد والفساد والتخلّف، وحتى الحروب الأهلية كما حدث في الجزائر لما انقلب الجنرالات على الانتخابات التي فازت فيها جبهة الانقاذ الإسلامية حيث أن زعيمها الشيخ علي بن حاج عام 1990، بعد سنة تقريباً من مقالي القديم الذي أشرت إليه مطلع هذا المقال، نشر ما تشبه الدراسة من حلقات تحت عنوان "الدمغة القوية لنسف عقيدة الديمقراطية" على صحيفة "المنقذ" الرسمية الناطقة باسم الجبهة، ولقد عبّر فيها عن ضلال الديمقراطية التي كان يتنافس في إطارها لإسقاط نظام الحكم.

ولقد حدث لاحقاً بعد انقلاب يناير/ كانون الثاني 1992، أن تشكّلت تنظيمات مسلّحة للدفاع عن الاختيار الديمقراطي للشعب الجزائري، وبعد نحو ثلاث سنوات بسبب التناقضات بين المرجعية والمنهج والممارسة؛ صارت بعض التنظيمات مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" تكفر بالديمقراطية والحزبية وتكفّر حتى شيوخ الجبهة وتطالب بتوبتهم من الضلال القديم الذي وقعوا فيه بعملهم الحزبي والانتخابي..

يتبع..

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة