"القاعدة" و"تنظيم الدولة" والمسؤولية الأمريكية

في أفغانستان عملت الأجهزة الأمريكية والعربية والباكستانية معاً على تجنيد "المجاهدين" لمحاربة الاتحاد السوفيتي.

الاثنين، 16-05-2016 الساعة 12:01


كانت الذكرى الخامسة لقتل أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم "القاعدة" وزعيمها الأول، في عملية أمريكية على مخبئه في أبوت أباد في باكستان، مثار نقاش طويل ومتشعّب حول أوضاع التنظيم بزعامته التي ورثها أيمن الظواهري، وبالتالي حول مستقبله بعد المنافسة المحتدمة بينه وبين تنظيم انشقّ عنه، وهو "الدولة الإسلامية" المعروف بـ"داعش". وانصبّ أبرز التساؤلات على محاولة استشراف أي التنظيمين ستكون له الغلبة، وأي منهما سيتمكّن من الاستمرار في ظلّ الحرب المتواصلة عليهما. ومع أن جانباً كبيراً من النقاش تناول الظروف والأسباب التي أدّت إلى نشأة التنظيمين، الأول في أفغانستان والآخر في العراق، إلا أن جانباً ضئيلاً جداً التفت إلى ما يعنيه وجودهما وهل ينطوي على أية مصلحة أو منفعة للشعوب العربية وتقدّم بلدانها، ومن هي الجهات التي استفادت وتستفيد من نشاطهما.

منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 هيمن الصراع الثنائي "الولايات المتحدة- القاعدة" على عقل الإدارة الأمريكية وسياساتها إزاء العرب. ورغم أن واشنطن كانت ولا تزال تعلم أن الحكومات العربية ليست مسؤولة إجرائياً أو تنظيمياً عن ظهور جماعات التطرّف والإرهاب، إلا أن "الحرب على الإرهاب" شكّلت وسيلة وذريعة أمريكيتين لاتهام هذه الحكومات وتهديدها وابتزازها بالشيء ونقيضه، بلومها مثلاً على الشدّة في قمع الحريات وبلومها أيضاً على عدم الشدّة في ضرب ما يفترض أنه بؤرٌ مرشّحة لاحتضان الإرهاب، لكن تسليط الضوء على مسؤولية عربية-إسلامية كان يرمي إلى إغفال أية مسؤولية أمريكية مباشرة وغير مباشرة في استفزاز ظواهر التطرّف العنفي وإطلاقها.

ففي أفغانستان عملت الأجهزة الأمريكية والعربية والباكستانية معاً على تجنيد "المجاهدين" لمحاربة الاتحاد السوفيتي والمدّ الشيوعي، وبعدما انسحب السوفيت (1989) لم تكن لديها خريطة طريق لإعادة الشباب إلى بلدانهم ولتكون لهم مساهمة إيجابية في بيئاتهم ومجتمعاتهم، فقد غادروها هاربين من التهميش والبطالة ليجدوا لاحقاً أنهم أتقنوا مهارات القتال ومعه فنون المحاججة الدينية لتبرير الاستمرار في هذا القتال. وإذا كان المثال الأفغاني ملتبساً، أو يوفّر للأمريكيين سبيلاً للتهرب من المسؤولية، فإن التجربة العراقية تقدم برهاناً أكثر وضوحاً. ذاك أن حلّ الدولة والجيش والمؤسسات كافة صنّع الفوضى على نحو متعمَّد، وآل إلى استعداء جزء كبير من الشعب، سواء باستهداف مناطقه والتنكيل برموزه أو بسجن آلاف الضباط والجنود وتعريضهم للتعذيب والإهانة أو بتسليم البلد إلى إيران وأتباعها ليتولّوا إدارة الدولة ومتابعة النهج التمييزي نفسه.

لذلك لم يكن ظهور "القاعدة" سوى نتيجة "طبيعية" لسياسات مبتورة تخلّت عن أفغانستان لحظة كانت في أشدّ الحاجة إلى الرعاية والدعم. ولعل النهج نفسه تكرر في العراق، مع بعض الفوارق، وأفضى أيضاً إلى ظهور "القاعدة" أولاً ثم "داعش". ولو دقّقنا في السياسة الأمريكية الحالية لوجدنا أنها معنية حصرياً بالصراع مع التنظيمين وكأنهما محور علاقتها بالمنطقة العربية؛ ولذلك نجدها مثلاً متعايشة باقتناع مع فشلها في تحريك أي مسعى سلمي بين الفلسطينيين وإسرائيل، مقدار تعايشها مع حرب -بلا نهاية- على الإرهاب، فهذه توفّر لها الاستفادة من تعقيد الأزمات الإقليمية من دون المساهمة في حلّها. والأسوأ أنها تتجاهل أدوار جهات أخرى مستفيدة مثلها من استشراء "الإرهاب" وتستخدمه مثلها في تجريم الشعوب والمجتمعات العربية تحقيقاً لمصالحها.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة