القدس ومجزرة خان شيخون

النظام المجرم لعب دوراً خبيثاً في صرف الأخطار المحتملة عن الكيان الصهيوني الغاصب وتمرير مخططات لمشاريع مدمّرة لا تقل في خطورتها عن المشروع الصهيوني.

السبت، 08-04-2017 الساعة 10:05


القدس ليست بعيدة عما يجري في سوريا كما قد يتصور البعض، فكل أجنحة المكر غرباً وشرقاً تلتقي برؤاها ومخططاتها وتدابيرها وتتفق على ضرورة الإبقاء على فوضى دامية تحافظ على الوضع المتفجر هناك وعدم تمكين الثوار من الإطاحة بالنظام الإجرامي الذي يترأسه الأسد. والسرّ الذي لا يكاد يخفى على أحد مردّه إلى الخوف على مصير الكيان الصهيوني حال سقوط نظامٍ تسبَّب في هزيمة عام 1967م وسلَّم الجولان لجيش الاحتلال وفرض حظراً عسكرياً صارماً للمحافظة على الهدوء في المنطقة والإبقاء على تلك الجبهة باردةً ساكنةً عشرات السنين وضمان عدم انطلاق أية أعمال للمقاومة عبرها.

ذلك النظام المجرم لعب دوراً خبيثاً في صرف الأخطار المحتملة عن الكيان الصهيوني الغاصب وتمرير مخططات لمشاريع مدمّرة لا تقل في خطورتها عن المشروع الصهيوني كالمشروع الإيراني الاستئصالي لأهل السنة في المنطقة، والذي اتخذ من شيعة العراق وحزب الله فكّي كماشة لإبادة السنّة والتخلص منهم قتلاً وتهجيراً من ديارهم بأبشع الطرق والوسائل الهمجية والوحشية.

وبينما كان يسير قدماً في مشروعه لسلخ قطعة غالية عن تاريخها وأمتها، اتخذ ذلك النظام المجرم أسلوباً قذراً للتنفير من العمل لأجل قضية فلسطين بادعاء تبنيها والدفاع عنها تلويثاً لها وتدنيساً لطهارتها كي ترتبط ارتباطاً عضوياً ونفسياً به فلا يذكر ذلك النظام وحزبه إلا وتذكر معه إضراراً بها وإبعاداً للشباب والأجيال عنها..

كانت أولى خططه الماكرة اتخاذ علم فلسطين راية لحزبه (حزب البعث العربي الاشتراكي) ما جعلها تغدو رمزاً للإجرام والظلم ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه والقتل والاعتقال والتعذيب الوحشي.

ثم إنه أطلق على أسوأ معتقلاته وسجونه اسم "فرع فلسطين" ليرتبط هذا الاسم بما تشيب من هوله الولدان حيث تداس كرامة الإنسان وتزهق فيه الأرواح بالمجان، مع عدم إهمالنا لرواية أنه كان يحمل اسم فرع 235 لكن اسم فلسطين غلب عليه لاختصاصه في حقبة معينة باستقبال الفلسطينيين المخالفين لنهج النظام وأذنابه وتكدسهم في غياباته.

على صعيد آخر اتخذ ذلك النظام المتوحش مصطلحاً كاذباً يصفه بأنه جزء من "محور المقاومة والممانعة" هو وشركاؤه في الإجرام إيران وحزب اللات اللبناني، وهو تكتيك خبيث انطلى على الكثيرين لأجل التغطية على الدور الحقيقي الذي لعبت تلك الجهات من أجل جعله أمراً واقعاً يتم تكريسه في المنطقة، وهو استحداث كيان طائفي خبيث يمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان بعد طرد أهل السنة وقتلهم وتشريدهم في منافي الأرض، يتجاور ذلك الكيان مع الكيان الصهيوني ولا يزيله.

ولا عجب في أن ترتكب المجازر في العراق وسوريا على يد قواتٍ إيرانيةٍ مجرمة تنضوي تحت ما يسمى باسم "فيلق القدس" بقيادة مجرم الحرب الجنرال قاسم سليماني. وما هي بمصادفة أن تلصق الجرائم والمجازر البشعة بأطهر اسم وأقدسه كي لا يخطر ببال أولئك المجني عليهم من أهل السنة أن يتحركوا يوماً لنصرة القدس التي قُتِلوا باسمها وذاقوا الهوان والعذاب ممّن رفعوا لواءها.

ليس غريباً ضمن ذلك السياق الشيطاني أن يتم تداول معلومة أنَّ قائد سرب سوخوي 22 الذي ارتكب مجزرة خان شيخون من مطار الشعيرات انطلق منه بطائرة "قدس 1". أي إن أرواح أطفال خان شيخون أزهقت لأجل عيون القدس وقُدِّمت قرباناً على مذبحها المقدس!!

على المقلب الآخر خرج علينا النتن ياهو واصفاً صور مجزرة خان شيخون بأنها صادمة وأنها يجب أن تهز مشاعر كل إنسان مع إدانة شديدة لاستخدام الأسلحة الكيميائية عامة وضد المدنيين الأبرياء خاصة!

صحيح أن ذلك المأفون الكاذب قد لقي من يلقمه حجراً ويردّ على حسابه في التويتر بتساؤل: "لماذا؟ هل لأنها حازت على نسبة مشاهدة "يوتيوب" أكثر من فيديواتك التي استخدمت فيها الفوسفور الأبيض على أطفال ونساء غزة؟" إلا أنّ لما ذكره دلالات تشير إلى تناغم بين جرائم الأسد وردود الأفعال الصهيونية، والأمر لم يكن جديداً أو وليد الحدث، ولكنه تكتيك متبادل يخدم إجرام الطرفين كلما دعت الحاجة إليه.

حقيقة الأمر أن ذلك النظام المتوحش أنشئ بمواصفات خاصة لأغراض دعائية وقانونية، يتم من خلالها الترويج للكيان الصهيوني بأنه واحة حرية وديمقراطية في قلب صحراء قاحلة مجردة من الإنسانية، أو أنه نظام مدني راقٍ تحيط به غابات يحكمها همج متوحشون لا همّ لهم إلا استعباد البشر أو قتلهم بعد التلذذ بتعذيبهم..

نجحت الخطة في تبييض صفحة أساطين الإجرام ومخترعيه من خلال المقاربات التي جعلت سجون الاحتلال الصهيوني تبدو فنادق ذات خمس نجوم مقارنة مع سجون الأسد وأبيه، وجعلت أساليب التحقيق والتعذيب التي تمارسها أجهزة العدو لا تعدو كونها برامج ترفيهية بالمقارنة مع الأساليب الهمجية لأجهزة الأسد سيئة الذكر. وهي التي ثبت أن دولاً غربية تدعي احترام حقوق الإنسان كانت قد تعاقدت مع ذلك النظام المجرم لاستقبال بعض الموقوفين لديها لانتزاع اعترافاتهم -أو أرواحهم- في سلخاناته.

نجح ذلك النظام المجرم في أن يكون خرقة يمسح بها مجرمو الأرض آثار إجرامهم من خلاله كما فعل النتن ياهو ومن بعده الرئيس الأمريكي ترامب الذي طبقت سياساته العنصرية الآفاق واستفتح عصره بالتهديد والوعيد بنقل سفارته إلى القدس، وهو الذي أعلنت إدارته قبل أيام قبولها ببقاء الأسد في الحكم في إشارة واضحة المعالم إلى الحاجة إلى خدماته الجليلة، لرفع رصيده المتدني وشعبيته المضمحلة بتباكيه على ضحايا خان شيخون، والإيحاء بحصول صحوةٍ لضميره أدَّت إلى إيعازه بشن غارات صاروخية على قاعدة الشعيرات أريد من خلالها إظهار وجهٍ إنسانيٍّ مزعومٍ لأمريكا التي قتلت قبل أيام بغاراتٍ جوية مئات الأبرياء في الموصل. ومن قبل لم يسلم الأطفال والنساء والشيوخ من غاراتها في سوريا واليمن بدعوى ملاحقة التنظيمات الإرهابية التي شاركت هي في صناعتها.

جاء استهداف قاعدة الشعيرات بمسرحية أعدَّت على عجل فتكشَّفت كواليسها مبكراً، فالخارجية الأمريكية ذكرت أنه قد "تم إخطار الروس مسبقاً بالضربة واتخذ المخططون العسكريون الأمريكيون احتياطات للحدّ من خطر وجود طواقم روسية أو سورية في القاعدة"!! وأقرّ الكرملين بأن واشنطن أبلغتهم بالقصف قبل حدوثه!! بما يعني أن النظام أخذ حيطته الكاملة ولم يتضرر من الضربة سوى بعض الكتل الأسمنتية وبعض الطائرات "الخردة" المحالة إلى التقاعد!! تلك الضربة الوهميّة زادت في العمر الافتراضي للنظام المجرم، فهي ستوفر للناعقين باسمه أمثال بشار الجعفري فرصة ذهبية للتباكي على النظام بوصفه ضحيةً للإرهاب الأمريكي وأنه مستهدف من قبل الإمبريالية الأمريكية بسبب مواقفه المناهضة لها وللصهيونية العالمية!

لا شك بأن وجود ذلك النظام الإجرامي حيوي جداً للكيان الصهيوني كي يضمن القضاء بكل الوسائل الوحشية على أي فئة يمكن أن تنهض بدور صلاح الدين الذي قال عنه يوماً ما الجنرال شلومو باوم أحد أبرز القادة العسكريين الصهاينة، والذي كان يعتبره بن غوريون "مفخرة الدولة اليهودية": "لقد كانت أوضاع المسلمين قبل معركة حطين تماثل من حيث موازين القوى أوضاع العرب حالياً، فقد كانت الدويلات العربية في ذلك الوقت تقوم بدور كلاب حراسة للممالك الصليبية، لكن أكثر ما يزعج من دراسة تاريخ الحروب الصليبية، هو قدرة صلاح الدين على بعث نهضة العرب من جديد، وتنظيم صفوف قواته، بعكس المنطق الذي تمليه موازين القوى العسكرية". ويضيف باوم شارحاً مخاوفه: "منذ عشرين عاماً، وأنا أحاول رصد الأسباب التي جعلت المسلمين يحققون هذا النصر الأسطوري وفق منطق العقل والتحليل العسكري، وإن ما جعلني أتعلق بالحرب هو حرصي على أن أقوم بكل شيء من أجل عدم تهيئة الظروف لمولد صلاح الدين الأيوبي من جديد، إنّ "دولة إسرائيل" ستنهار على يد الإسلاميين أحفاد صلاح الدين، وأنا على يقين أن شخصاً مثل صلاح الدين سينهض من جديد، وإننا نحتاج إلى معجزة لتحول دون انهيار "دولة إسرائيل".

والواقع يحكي بأن الذي ارتكب مجزرة خان شيخون ليس إلا حفيداً لقتلة عماد الدين زنكي محرَّر "الرّها" الإمارة الأولى للصليبيين في الشام من أيديهم.

إن الذي وجّه طائراته لقصف الغوطة وخان شيخون بدل تل أبيب ليس إلا حفيد الباطنيين الذين حاولوا قتل نور الدين وصلاح الدين ليحولوا دون تحرير القدس من أيدي الصليبيين.

وكما قضى صلاح الدين على الباطنيين وحرّر القدس، فلسوف يتم القضاء على سليلهم المجرم ويتحقق كابوس "شلومو باوم" بظهور صلاح جديد يقود جموع الذين نجوا من مذابح ذلك السفاح وعلى رأسهم أبناء خان شيخون ليفتح بهم القدس..

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة