القدوة الصالحة المفقودة

الشعوب تنتصر بالقادة الأكفاء، وعندما يرى الناس علماءهم وأمراءهم وقادة الرأي فيهم يتقدمون فسيتبعونهم.

الثلاثاء، 27-09-2016 الساعة 17:56


كثيراً ما يدور الحديث بين مثقفي بلدي عن أسباب التدهور والانحطاط الذي وصله بلدنا وشعبنا وعلى جميع الأصعدة، فيدلي كل واحد منهم بدلوه، ويعرض تفسيراته. وكان أحد الأسئلة التي يحتار المتناقشون الإجابة عنها: لماذا لم يمنع توافر العقول والكفاءات بين أبناء شعبنا الانحدار الذي حصل وما زال يحصل ويسير بخطى سريعة نحو الهاوية؟

وعلى الرغم من تباين الرؤى التي تُطرح من قبل أولئك المثقفين في تفسير الأسباب التي أوصَلت بلدنا إلى هذا الحال، إلا أنهم جميعاً يتفقون على شيء واحد، وهو غياب القدوة. تلك القدوة التي تقود شعوبها إلى تحقيق أمانيها.

فقد كانت القدوة وعلى مر العصور لها أكبر الأثر في تنظيم صفوف الناس وتسخير طاقاتها والاستفادة من كفاءات أبنائها وتوجيهها إلى غاياتها المنشودة، مهما كانت تلك الغايات صالحةً أم طالحة؛ ففي التاريخ الحديث للشعوب وكذلك تاريخ الشعوب الغابرة، شواهد كثيرة تعزز هذه الحقيقة.

فالشعوب تنتصر بالقدوات والقادة الأكفاء، وعندما يرى الناس علماءهم وأمراءهم وقادة الرأي فيهم يتقدمون أمامهم في التضحية والبذل، فأن الناس يتبعوهم، أما إذا كانت النخبة حفنةً من السياسيين المخادعين ورجال دين يفتون بما يهوى السلطان ومفكرين يُباعون ويُشترون، فلا فرصة لتلك الشعوب بالنصر.

لقد سطّر لنا التاريخ الحديث نوعاً من القادة مثل هتلر، الذي وحد الشعب الألماني على هدف واحد بُذل من أجله الغالي والنفيس في سبيل تحقيقه. وبالرغم من عنصرية الفكرة التي جاء بها هتلر، والتي لا تتفق مع كل الشرائع السماوية أو الأرضية في صحة ما دعا شعبه إليه، إلا أنه كان رمزاً لشعبه، ملهماً لهم واعداً إياهم بغدٍ جديد يكون فيه الألماني سيد العالم، وبالمقابل أعطاهُ شعبهُ كل ما يريد وساروا خلفه حتى آخر لحظة من حياته.

وكذلك الحال ينطبق على نابليون بونابرت ذلك القائد الفرنسي الذي أراد احتلال العالم. وينطبق على جورج واشنطن الذي قاد حرب الاستقلال سنة 1775 م.

أما تاريخنا الإسلامي فهو أيضاً مليء بالشواهد على بطولة تلك القدوات التي قادت المسلمين إلى الرفعة والاقتدار ورفض الضيم والهوان والتي يفخر بها كل مسلم وعربي.

شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك العالم الجليل والمجاهد المقدام الذي وقف بوجه التتار واستطاع أن يلم شتات المسلمين في وقت عزَّ على المسلمين أن يظهر لهم من يقودهم ليخرجهم من حالة التيه التي وصلوا إليها في ذلك الزمن والذي لا يختلف كثيراً عن الزمان الذي نعيشه الأن.

واجه ابن تيمية التتار في معركة شَقْحَب سنة 702ه بكل بطولة وبسالة، ففي ذلك العام دخل التتار بلاد الشام، فاضطرب الناس، واشتد خوفهم، ومع اقتراب جيش التتار، انسحب الجيشان الحلبي والحموي إلى حمص، ووصل التتار إلى حمص، ثم ساروا إلى بعلبك واقتربوا من دمشق فاشتد خوف الناس وانتشرت الإشاعات والأراجيف، فكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دور كبير في تهدئة النفوس والحفاظ على الاستقرار الداخلي في البلد، ثم اجتمع بالأمراء والعلماء في دمشق فتحالفوا على الجهاد ولقاء العدو، وكان شيخ الإسلام يطمئن الناس ويحلف لهم أنهم سينصرون فيقولون له: قل إن شـاء الله. فيقـول لهم: قولوها تحقيقاً لا تعليقاً. ثم بدأ بعض الناس (كحال بعض مشايخنا هذا الزمان) يشككون في شرعية قتال التتار (ذلك لأن التتار حينها قد أظهروا الإسلام واستبطنوا الكفر ادعوا أنهم رافضة على دين الاثني عشرية)، فانبرى ابن تيمية لهم، وأصدر فتاويه المشهورة في وجوب قتال التتار، وفنَّد جميع الشُبه التي أُثيرت حول هذه المسألة، وكان يقول للناس: " إذا رأيتموني في ذلك الجانب (أي في جانب العدو) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني"، فتشجع الناس للقتال، وقويت قلوبهم.

التقى الجيشان في موضع يقال له (شَقْحَب). ولما اقترب التتار، التفت ابن تيمية إلى أحد أمراء الشام، وقال: يا فلان أوقفني موقف الموت. فنُقل إلى قبالة العدو، وهم ينحدرون كالسيل، فرفع الشيخ طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلاً يدعو ربه، ثم التحم بالتتار، واشتد القتال، ففر التتار إلى الجبال، وحاصر المسلمون الجبال، وقد امتلأت قلوب التتار بالرعب، فهربوا، والمسلمون وراءهم، وبهذه المعركة الحاسمة انحصر خطر التتار، واندفع شرهم عن بلاد الإسلام.

هكذا كان دور العلماء في توحيد صفوف المسلمين أمام عدوهم، وهكذا كانوا أول المضحين وأول من يتقدم الصفوف، فهل لنا بابن تيمية آخر يكون قدوة لنا ويقود العراقيين؟

أما العالم الجليل العز بن عبد السلام الذي أصر على بيع أمراء مصر لأنه اكتشف أنهم كلهم مماليك لم يُحرَّروا وأصر على فتواه، وحينما لم يوافق السلطان على فتواه، قرر ترك منصب القضاء والخروج من مصر، فتبعه الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم، حتى اضطر السلطان أن يلحق به ليسترضيه وينفذ فتواه في بيع الأمراء، واضطر الأمراء لشراء عتقهم وإرجاع هذه الأموال إلى بيت المال.

وعندما اقترب التتار من مصر حث العز بن عبد السلام المسلمين كلهم للخروج للجهاد، وأفتى أن من حق السلطان أن يأخذ من الناس ما يستعين به في حملته تلك، ولكن بعد أن ينفذ بيت المال من الأموال، وبعد أن يبيع الأمراء والأميرات حليهم ومجوهراتهم، والتخلي عن كل مظاهر الترف التي يعيشونها عدا ما يستعينون به على الحرب من جيادٍ وسلاح، فامتثلوا لأمره وخرج مع الناس للقتال وهو رجل مسن، يحثُّ الناس على الجهاد والثبات. ذلك كان العز بن عبد السلام. فأين لنا الآن مثله من علماء ليكونوا قدوةً لنا في طريق التحرر.

ومن يدعي أن هؤلاء الرجال لا يمكن تكرارهم فقد فاته أن يطلع على تاريخنا المعاصر الذي شهد على أمثلة حية من رجالٍ لا يقلّون شأناً عن العظماء الذين ذكرنا، ففي الوقت الذي بدأت القضية الفلسطينية يطويها النسيان، وبدأت الأنظمة العربية تهرول للتطبيع مع إسرائيل، بل حتى الفصائل الفلسطينية التي كانت ترفع لواء النضال ضد الغاصب الصهيوني أقرت باستحالة قتال الصهاينة، وبدأت تساوم على قضية الوطن. في قمة ذلك الانهيار والانحطاط، ظهر لنا زعيم جديد ليعيد تصحيح البوصلة من جديد، ويعيد للأمة روحها الجهادية التواقة للحرية، فكان الشيخ أحمد ياسين، الذي تصدى للهوان الذي لف العرب والمسلمين حينها، وليجدد أمر هذا الدين وهذه الأمة، ويعيد مجدها، وهو الرجل العاجز جسمانياً، ولكن دعوته وصدق قوله ويقينه بنصر ربه، جعل شباب فلسطين يلتفون حوله وقادهم من جديد لإيقاد جذوة الجهاد.

لقد أصبح أحمد ياسين قدوة ملهمة ليس فقط للفلسطينيين، وإنما لكل حر شريف من خارج فلسطين، لم يكن أحمد ياسين زعيماً عسكرياً، ولم يكن سياسياً تخرج من كليات السياسة، بل لم يكن يحسن حتى استخدام السلاح. ولكن كان لديه اليقين بالله بحتمية النصر، كان القدوة التي طال انتظارها، كان يدفع الشباب بضرورة بذل كل الوسع لنصرة قضيتهم، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن ظهرت لنا حماس التي اذاقت إسرائيل الويلات وأذلت غطرستها، بل ودخلت معها في ثلاثة معارك هي من أطول المعارك التي خاضتها إسرائيل مع العرب. لقد كان سبباً في ظهور قدواتٍ قادوا الحركة ولم يساوموا على قضيتهم.

فماذا ينقصنا نحن العراقيين؟ لماذا لم تظهر لنا مثل هذه الشخصيات والقدوات؟ بالأخص بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وقد كانت الأرضية مهيَّأةً لظهور مثل هذه الرموز الوطنية أو الدينية. هل ينقصنا الصادقون؟ وهل ينقصنا العلماء؟ إنَّ العراق صاحب أسرع مقاومة للمحتل وبشهادة الجميع، فلَم يقبل العراقيين بالضيم، وبدأت مقاومة المحتل في نفس تاريخ سقوط النظام.

مثل هذا الشعب هل يعجز عن فرز القدوات الذين يقودونه في طريق الحرية والتحرر؟ ربما يقول أحد ما، إنَّ الوضع الطائفي الذي يعيشه العراق كان عائقاً لظهور تلك الرموز الوطنية، فأقول أوَلَم يعيش العراق مثل هذا الوضع سابقاً؟ حينما ادعى التتار دخولهم الإسلام وتشيعوا وجندوا كل الشيعة في العراق والشام ليقاتلوا لصالحهم باقي المسلمين السنة، وجعلوا بغداد عاصمة للتتار المتشيعين، في حالة تكاد تكون مطابقة لما يحدث الآن. حينها أفتى ابن تيمية أن يتم معاملة هؤلاء، معاملة الخوارج، وأنهم قد أظهروا الدين واستبطنوا الكفر. هل تلك الحالة تختلف عن حالتنا الحالية؟ فلماذا لم يظهر لنا قدوات كابن تيمية؟ لتتصدى لأمر قيادة عامة المسلمين.

في الوقت الذي كان كل شباب المسلمين في العراق يتوقون لعالمٍ أو مفكر أو سياسي نزيه ليقودهم، تصدى لهذا الأمر الشيخ حارث الضاري الذي أضر أكثر مما نفع، ولم يستفد من التجارب التي يمتلأ فيها تاريخنا؛ فكل ما فعله أنه أساء للعراق والعراقيين، بالوقت الذي كان يظن بنفسه إنه يُحسن صنعاً، بعد أن اتجهت إليه أنظار المسلمين في العراق وتبنوا فتاواه التي أوردتهم بعد ذلك في المهالك، وسُحق المسلمين بمطرقة الأمريكان وسندان إيران.

لقد كانت لحارث الضاري فرصة عظيمة لأن ينتشل المسلمين العراقيين من الوضع المأساوي الذي عاشوه. لكن اعتداده برأيه وحربه لمخالفيه هي التي أسقطته من شرف أن يكون قدوة للعراقيين، فبقيَ بالساحة وحيداً ومات غريباً ووحيداً.

ولقد خطفت رصاصات الغدر أحد قدواتنا لتتراجع الأمة بعدها في مشروعها بغياب ذلك القدوة والمتمثل بالشيخ الجليل "إياد العزي"، كان حقاً مشروعاً ناجحاً لأن يكون قائداً وزعيماً وقدوةً ينتشل أبناء شعبه من الضيم الذي كانوا فيه، ويوجه جهود أمته إلى طريق عزتها وسؤددها.

وماذا فعل السياسيون السنة؟ لقد ظهرت رموز سياسية سنية كثيرة وهي عازمة على أخذ حق المسلمين ممن ظلهم ولكنهم حين تعرضوا لفتنة السلطة والمال سقط أغلبهم في تلك الفتنة، ومن نجا من تلك الفتن كانت رصاصات القاعدة والمليشيات له بالمرصاد لتغيّبهُ عن الساحة السياسية.

لم يدركوا مع الأسف، أنهم يتعاملون مع أناس جاءوا ليستأصلونا من أرضنا ويمحوا وجودنا، كان سياسيونا وبكل سذاجة يتعاملون مع الأمور وكأنهم يمارسون السياسة فعلاً في بلدٍ ديمقراطي، وبعظم ممن ورطنا في موافقته على الدستور الطائفي، ليجد نفسه بعد سنوات مطارداً كمجرم بين الدول، ولم تنفعه فعلته النكراء شيئاً، عند من يحكمون بلدنا الآن.

أما من تصدوا لأمر محاربة المحتل، الذين جعلوا أرواحهم براحة أيديهم، وقد باعوها لله. أين رموزهم وقدواتهم الذين كان ينبغي عليهم إبرازهم، لتلتف حولهم قلوب الناس، ولتوحد الجهود لهدف واحد؟

حينما غابت تلك القدوات والرموز الخيرة، جاء من يدعي الجهاد وهو إلى الإجرام أقرب، جاءت القاعدة بتمويلها المشبوه وقيادتها المثيرة للتساؤل من خارج الحدود، لكي تخطف عقول شبابنا من الذين أعماهم البريق الذي أحاطت به القاعدة نفسها وأخرجت رموزاً عسكرية نسجت عنهم قصص الخيال لتسلب لب شبابنا، ولتصل بمشروع المقاومة إلى الفشل، ولتجعل من المجاهدين يضربون أعناق بعضهم أمام أنظار أعدائهم.

ولكن هل وصلنا إلى نهاية المطاف؟ هل هذا يعني أن نرفع أيدينا ونعلن استسلامنا لأعدائنا وهم يخطفون بلدنا؟ لقد مرت حقبٌ طويلة استبيح فيها بلدنا من قبل أراذل الناس ولم يفتَّ ذلك في عضد العراقيين، فلطالما ظهر من بينهم من يرجح كفة العدل وإحقاق الحق، وبمساعدة الخيرين من إخوتنا العرب والمسلمين، وليس شرطاً أن يكون قائداً واحداً يقوم بكل هذا العمل، فللسياسة قدوة وللجهاد قدوة وللبناء قدوة ولأمر الدين قدوة، فإذا تضافرت جهود تلك القدوات والرموز الربانية، واستطاعوا أن يجعلوا الناس على قلب رجل واحد، يأتي حينذاك نصر الله.

إن عدم وجود مثل هذه القدوات هي حالة تنذر بالخطر، فالشعوب تتطلع لمن يلهمها الصبر والعزم على المطاولة من جديد، وبفقدان تلك القدوات، يطول ليل الظلم على شعبنا. إن الأمر ليس مستحيلاً ومن تصدى لأمر قيادة الناس وقد فشِل، فليترك مكانه لغيره عسى أن يكتب الله على يد من يخلفه الخير.

نريد رجلاً يرفع للحق راية ليلتف حوله الصادقون والمؤمنون وهم كُثر بأمتنا. إن أزمتنا هي أزمة قدوةٍ وقيادةٍ، ومع الأسف فلقد طال انتظارنا لظهور مثل هذه القدوات والقيادات.

لكن إذا عزَّ علينا ظهورهم مع طول الانتظار، فلنقم نحن بصنع تلك القيادات ونبرزهم من بين صفوفنا إلى الصدارة، ونجعلهم يتصدون لأمر الأمة، لأننا إذا لم نفعل، سنكون مثل العرب الذين خرجوا من الأندلس، فبكوا كالنساء على مُلكٍ لم يقاتلوا من أجلهِ كالرجال.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة