القوة الإيرانية الناعمة ومعضلاتها

انكشف عجز القوة الإيرانية الناعمة عن تحقيق مكتسبات فعلية على صعيد الصورة العامة.

الخميس، 14-05-2015 الساعة 11:00


ينشغل الخليج بإيران، وتنشغل إيران بالخليج. هذا ما كان عليه الحال، وهو ما سيبقى بلا ريب؛ فللجوار مقتضياته وانشغالاته ومكاسبه وأعبائه.

التقطت إيران أنفاسها ثم تمددت، بعد مخاض التحول الثوري والانغماس في مستنقعات الحرب. كان تمدداً معنوياً قبل تسجيل الحضور المباشر في بعض الجبهات، وهو ما يلفت النظر إلى التجربة الإيرانية في تطوير القوة الناعمة وتوظيفها.

والحقّ أنّ الحالة الإيرانية جسدت تجربة مهمة من نماذج القوة الناعمة على مستوى الإقليم، فقد عملت بفعالية رغم واقع الحصار والعزل متعدد المستويات، المفروض على طهران منذ ثورة 1979، علاوة على أنها أتت من بلد تبنّى خطاباً استثنائياً في السياسة والإعلام والثقافة.

ما لا يصح تجاهله في قراءة التجربة؛ أنّ إيران نشطت في المجالات الثقافية والفنية والأكاديمية، ووظفت حضورها في هذه الفضاءات للإطلالة على الإقليم ككل وعلى العالم بمجتمعاته وثقافاته. عملت المراكز الثقافية الإيرانية كنقطة ارتكاز مباشرة في دعم الدبلوماسية الشعبية في مجالها الثقافي، خاصة مع انسداد مجالات التواصل السياسي الفاعل خلال حقبة الحصار والعزل الطويلة التي أعقبت الثورة الإيرانية. وتميّزت السفارات الإيرانية بالحركة الدؤوبة في التواصل، حتى عدّها بعضهم من بين أنشط دول العالم الثالث تقريباً في الدبلوماسية الشعبية والتواصل مع المجتمع المدني، وشمل ذلك نطاقات عانت من التجاهل؛ مثل أمريكا اللاتينية وأفريقيا والأقليات المسلمة حول العالم.

ليس خافياً أنّ التجربة الإيرانية توسعت في دبلوماسية المؤتمرات، فاتخذت منها فضاء نشطاً لاجتذاب نخب العالم إلى إيران ومحاولة حمل اهتمامات إيران إلى نخب العالم. وتتضافر المؤشرات على أنّ إيران أدارت برامج كرّستها لاستقطاب النخب والكفاءات والأكاديميين والمفكرين، من أقاليم عالمية شتى، في جهود متعددة المستويات تحركت وفق أنظمة محددة، حسب المؤشرات المتاحة.

باشرت إيران مخاطبة عالم متنوع اللغات والثقافات، فسعت إلى تقديم خطاب إعلامي مزاحم، فنضجت تجارب مثل "برِس تي في" بالإنجليزية و"هسبان تي في" بالإسبانية، وهذه الأخيرة تخاطب واحدة من أوسع لغات العالم انتشاراً، علاوة على محاولات متعددة في الفضاء الشبكي.

بيد أنّ القوة الإيرانية الناعمة تحمل حزمة من المعضلات في أحشائها، فهي تفتعل تناقضات جسيمة بالعمل مثلاً ضمن فضاء المجتمعات والشعوب بشكل عام؛ وتركيز التأثير والتواصل والاستقطاب ضمن نطاقات الطائفة الشيعية والمنظمات والهيئات المعبِّرة عنها بصفة خاصة. لقد أطاح هذا التناقض بكثير من فرص التأثير والتواصل الإيرانية في نطاق العالم العربي والإسلامي، كما أوقع "الطائفة" في فخاخ الاستعمال الاستراتيجي للخارج الذي يهدد فرص تواصلها مع النسيج الاجتماعي المحلي.

كما ولغ إعلام إيران، أو المحسوب عليها، في خطاب التأجيج الطائفي والحملات المذهبية، فألحق أضراراً جسيمة بالقوة الإيرانية الناعمة، حتى في نطاقات أبدت تعاطفاً مع نموذج الحكم الإيراني بعد الثورة، كبعض العلماء والحركات الإسلامية والأوساط المتدينة.

انكشف عجز القوة الإيرانية الناعمة عن تحقيق مكتسبات فعلية على صعيد الصورة العامة، فقد مضت في التركيز على الاستقطاب الفئوي ضمن المربّعات الطائفية، وعلى اجتذاب أفراد من الصفوة وتوظيفهم لصالحها، وخسرت مقابل ذلك شعوباً وقبائل عبر الأمة الممتدة. ثم كان ما كان مع تصاعد المخاضات والصراعات في العالم العربي، وإبحار إيران المباشر أو غير المباشر في بحيرات الدم التي يرتفع منسوبها كل صباح.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة