القيصر وخيارات الرد على السلطان في الميدان السوري

يظل الخيار الأسهل لدى الروس قصف منطقة ‫‏جبل التركمان‬، من بحر قزوين أو من البحر المتوسط.

الخميس، 03-12-2015 الساعة 12:04

ليس من السابق لأوانه القول: إن طبّاخ السم يذوقه. «الخارجية الروسية» تحركات موسكو ضد الإرهاب جاءت وفقاً لحق الدول في الدفاع عن نفسها الموثق في المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة. نفس المادة «51» من نفس الميثاق تتيح لتركيا حق الدفاع عن النفس.

هل أسقط أردوغان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالضربة القاضية على حلبة الصراع السوري، أم أنها مجرد صفعة؟

يمكن القول إلى حد بعيد إن القرار التركي لم يكن بهذه السهولة، بل كان محسوب النتائج والعواقب.

قبل الحديث عن الرد الروسي لا بد أن نذكر أولاً أن الرئيس التركي هو أول من رد بالوقت والمكان المناسبين على روسيا التي استفزت الأمن القومي التركي أكثر من ثلاث عشرة مرة. إذاً التصعيد ولغة الاستفزاز بدأت بالروح الروسية، فمنذ أن اخترقت الطائرات الروسية المجال الجوي التركي.

وبعد أن تمكن حزب أردوغان من تشكيل الحكومة بشكل منفرد وبنفس اليوم الذي تم تشكيل الحكومة، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات في تركيا لحماية التركمان في سوريا، قررت تركيا رفع نبرة التحذيرات لروسيا، ولكن على ما يبدو أن بوتين، قرأ التحذيرات على أنها فقاعة صوتية من دولة كتركيا غير قادرة على هز عرش القيصر الروسي. الذي عاد من اجتماع ضمه مع حليفة مرشد الثورة "الفارسية" في طهران وتوافقه مع الإيرانيين على دعم حليفهم المتهالك في سوريا.

جاء الانتهاك الروسي للمجال الجوي التركي بطائرة سوخوي 24 التي نالت نصيبها بشكل فوري، هذه المرة ليس بإنذار فقط وإنما بتنفيذ مباشر بالمكان والزمان المناسبين.

سرعان ما استوعب الدب الروسي هذه الصدمة وتوعد بالرد، لكن ليس بالحرب.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي خيارات بوتين للرد على لكمة أو صفعة أردوغان؟ وأين ومتى وكيف؟ أم أنه سيحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين كما فعل ويفعل حليفه بشار الأسد في الرد على الغارات الصهيونية التي ما زالت تنهال عليه منذ سنين خلت؟

من يتابع مسيرة الرئيس الروسي "بوتين" يعرف أن لديه نزعته "النرجسية" والغرور، ما يمنعه من السكوت على إهانة أوباما ونتف ريشه المنتفش بعد احتلال شبة جزيرة القرم، ومن ثم انخراطه في الحرب بدلاً عن حليفة المتهاوي في دمشق.

 

فبعد إعلان تركيا قيام طائراتها الحربية من وع "إف16" باستهداف طائرة روسية خرقت المجال الجوي التركي، الأمر الذي اعتبره الأتراك انتهاكاً للسيادة التركية، استوجب الرد، فتم إسقاط المقاتلة الروسية المعادية فوق جبل التركمان السوري بموجب قواعد الاشتباك، عقب تحذيرها 10 مرات خلال 5 دقائق.

لم تكتف أنقره بهذا القدر، بل صرح الرئيس أردوغان أيضاً إن تركيا وبالتعاون مع حلفائها ستنشئ قريباً "منطقة إنسانية آمنة" بين جرابلس السورية وشاطئ المتوسط، لمنع تكرار مأساة إنسانية جديدة، ولتوفير فرصة للمهاجرين الذين يُريدون العيش بوطنهم.

واعتبر الرئيس التركي أن من لا يدعم جهود بلاده في إنشاء منطقة آمنة فسيكون شريكاً في تحمل مسؤولية مقتل 380 ألف بريء.

وصعدت تركيا من إجراءاتها الأمنية على حدودها مع سوريا، حيث توجهت 15 دبابة عسكرية إلى مدينة "شانلي أورفه" قادمة من مدينة غازي عنتاب في جنوب تركيا، وذلك حسب ما أوردته صحيفة "صباح" التركية.

 

كان رد الرئيس الروسي فاتراً فيه شيء من العتب وكثير من الكبت حين قال الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، في تعليق له على إسقاط تركيا الطائرة الحربية الروسية على الحدود مع سورية: إن "إسقاط الطائرة الروسية ستكون لها عواقب وخيمة على العلاقات بين موسكو وأنقرة"، واصفاً الحادثة بأنها "ضربة في الظهر وجهها أعوان الإرهابيين"، حسب قوله.

 

بدأ التصعيد الروسي والرد، حيث أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلغاء زيارته الرسمية إلى تركيا التي كانت مقررة الأربعاء، وذلك في أعقاب إسقاط الجيش التركي مقاتلة روسية على الحدود السورية.

من جانبها، وزارة الدفاع الروسية قالت إنها ستوقف كل الاتصالات العسكرية مع تركيا.

وأعلن وزير الدفاع الروسي أن روسيا تعتزم نشر أنظمة دفاع إس-400 مضادة للصواريخ في قاعدة حميميم الجوية في سوريا.

وأضاف وزير الدفاع الروسي: البارجة "موسكو" قرب اللاذقية، وستتصدى لأي خطر على طائراتنا.

كما قال رئيس هيئة السياحة الروسية، أوليج سافونوف: "إن الهيئة ستوصي مكاتب السياحة وقف الرحلات إلى تركيا"، وذلك على خلفية توصية الخارجية الروسية للمواطنين الروس بعدم السفر إلى تركيا، في حديث لوكالة أنباء "نوفوستي".

دميتري ميدفيديف رئيس وزراء الاتحاد الروسي صعد من جانبه: هناك مصالح مالية مباشرة لمسؤولين أتراك مرتبطة بتوريدات "داعش" للنفط.

أمر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف حكومته باتخاذ إجراءات تشمل تجميد بعض مشروعات الاستثمار المشتركة مع تركيا رداً على إسقاط أنقرة للطائرة العسكرية الروسية.

من جانبه، أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، عن أسفه لعدم تلقي روسيا أي اعتذار من أنقرة بعد يومين على إسقاط قواتها الطائرة الحربية الروسية.

فرد الرئيس التركي طيب أردوغان، إنه ينبغي لروسيا الاعتذار عن انتهاك المجال الجوي لبلاده، وذلك بعد أيام من إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية قرب الحدود السورية.

 

التفاعل الدولي مع حادث إسقاط الطائرة الروسية

أكد حلف شمال الأطلسي (ناتو) دعمه لتركيا بعد إسقاط الطائرة الروسية، لكنه طالبها بـ"ضبط النفس".

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج، عند سؤاله عن أن يكون هناك احتمال أن تكون الطائرة أسقطت داخل سوريا، قال: "تتسق التقييمات المتطابقة المتوفرة لدينا مع معلومات وردتنا من تركيا".

الأمر الذي تطلب رداً من موسكو بالقول: لا نعول على موضوعية الناتو في حادث استهداف طائرتنا الحربية.

خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند في واشنطن، قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما: إن من حق تركيا أن تدافع عن مجالها الجوي.

بينما قالت المستشارة الألمانية ميركل: إسقاط الطائرة الروسية عقد الحل في سوريا.

وأعرب ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، عن أمله بأن تسمح دراسة ذات مصداقية ووافية لهذا الحادث بتوضيح الأحداث وتفادي تكرارها.

أما وزارة الخارجية البريطانية فقالت في بيان صادر عنها: حادث إسقاط تركيا للطائرة الروسية، إثر انتهاكها للمجال الجوي التركي، بأنه "أمر خطير جداً".

هذا الرد السياسي والاقتصادي، وأما عن الرد العسكري وبدء التنفيذ، فسرعان ما تم تنفيذ تصريح المتحدث باسم الكرملين باستمرار تنفيذ الغارات على سوريا تحت بند محاربة الإرهاب. طبعاً الإرهاب حسب المعايير الروسية. وكان بقصف سبع شاحنات إغاثية في مدينة اعزاز بريف حلب الشمال، إضافة لتكثيف القصف على ريف اللاذقية الشمالي، مستهدفاً بغاراته التركمانيين، ظناً من بوتين أنهم رأس حربة مستقبلية للرئيس أردوغان بتجهيز جيوش وفصائل قد يستعملهم بمشروع المنطقة الآمنة، وهذا توضيح علني مباشر من بوتين أنه لن يسمح بإنشاء هذه المنطقة.

إذاً كما ذكرنا، الرد الفعلي جاء بعد إسقاط الطائرة الروسية، ولكن بالساحة السورية التي تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات والخلافات الدولية، والسوريون وقود هذه الحرب على اعتبار أنهم إرهابيون بالمنظور الروسي.

وأما التصعيد الكلامي بين الطرفين التركي والروسي فكان مفاده قول بوتين: إن القيادة التركية تمارس سياسة متعمدة لنشر التطرف الإسلامي في بلادها. وأضاف: سيكون علينا الرد في حال وقوع حوادث أخرى بعد إسقاط المقاتلة الروسية.

عاد أردوغان ليقول: لا يحق لأحد انتهاك حدودنا، ولن نسكت على أي انتهاك يحدث في المستقبل.

 

ماهي الخيارات المتاحة أمام الروس للرد في المستقبل القريب؟

* العزف على الوتر الكردي المستعد للتعاون مع أي جهة تدعم تطلعاتهم الانفصالية، استقبل المبعوث الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، في موسكو، ممثلين عن أكراد سوريا، رغم تحذير تركيا لروسيا من تقديم أية مساعدة للمليشيات الكردية السورية.

ربما تستخدم تركيا سلاح الإسلاميين في الجمهوريات الروسية للرد على هذه الخطوة.

التصعيد العسكري على الحدود مع تركيا، وفعلاً تم تصعيد قصف الروس لمنطقة جبل التركمان. كما تم الإشارة إلى نشر وتشغيل منظومة صواريخ "إس400"، والحديث عن انخراط لبارجة "موسكو" قرب اللاذقية.

تحريض نظام الأسد لمزيد من التحرش بالأتراك.

شن حملة إعلامية ضخمة ضد تركيا تحت عنوان دعم الإرهاب، وقد بدأ ذلك فعلاً من خلال حديث وزير الخارجية الروسي في مؤتمر صحفي حيتن تسأل عن كيفية إتاحة الأراضي التركية للإرهابيين لتخطيط وشن هجمات في سوريا والعالم.

 

العقوبات الاقتصادية على تركيا ووقف تنفيذ عقود ومشروعات مع تركيا. الأمر الذي ينعكس سلباً على روسيا المنهكة نتيجة العقوبات الأوربية عليها، وانخفاض سعر البترول.

 

يظل الخيار الأسهل لدى الروس قصف منطقة ‫‏جبل التركمان‬، من بحر قزوين أو من البحر المتوسط،

برساله مفادها إن لدينا خيارات أخرى، ستكون أشد فتكاً وتدميراً وعن بعد عابرة للقارات. هناك حقيقة مرة علينا أن ندركها؛ أن بشار الأسد يعيش على هامش التناقضات التي تتصارع وتتقاطع فيها المصالح "الدولية" وصراعات المعارضة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة