الكرادة ومصيرها المجهول

التفجير الإجرامي في الكرادة انتهى، لا عُرف عدد القتلى على وجه التحديد، ولا حددت القوى الأمنية الفاعل.

الخميس، 04-08-2016 الساعة 09:33


ها هو الشهر بأيامه الطويلة ولياليه الحزينة الثلاثين، وساعاته العصيبة على التفجير الإجرامي في الكرادة انتهى، لا عُرف عدد القتلى على وجه التحديد ولا استطاعت كل القوى الأمنية تحديد الفاعل، ليبقى الأمر لا يتعدى إلقاء التهم جزافاً، وكأن تلك الأرواح التي قُتلت والنفوس التي وئدت والأجساد التي تشوهت والدموع التي سكبتها الثكالى واليتامى والأرامل أرقام في كتاب الحساب، أو في مجلةٍ صدرت منذ قرن تَحكي عن حادثة لا تهم الحكومة العراقية من قريب ولا بعيد.

ذابت الشموع التي أوقدها المئات من أبناء بغداد، واختلطت برماد وبقايا الحريق الهائل الذي التهم في غضون ساعتين أرواحاً ومباني، لتذوب معها الأدلة التي تدين المجرم.

فالحادث أكبر من حريق، وأضخم من تفجير، والذين تسببوا فيه ودبروه ليسوا أنفاراً ولا هم ثلة تواطؤوا لحرق مبنى تجاري بل عصابات إجرامية متنفذة، أرادت وتريد أن تُوصل عبر أجساد هؤلاء الأبرياء، رسالة أو تهديداً أو تصفية لحسابات سياسية.

ردود الفعل الحكومية وبعد دقائق من الانفجار كأنها سيل جارف، الكل يريد أن يقول كلمة، بعضهم خوفاً وبعضهم استهزاء بالحكومة وقدرتها الأمنية، وبعضهم لا لشيء إلا من أجل حفنة من الإعجابات واللايكات على صفحات التواصل الاجتماعي.

خفتت الموجة بعد أسبوع ونُسي الحريق بعد أسبوعين وظل الجرح لا يؤلم إلا من فقد حبيباً وودع حبيبة وبحث أياماً عن بقايا وأشلاء فلذة كبده ليواريها الثرى.

مرت أحداث كبرى بعد هذه الحادثة، كنيس جنوب فرنسا والانقلاب العسكري الفاشل في تركيا وغيرها، تمكنت فرنسا في ساعاتٍ قليلة من تحديد هوية الجاني وشكله وأصوله، أما الانقلاب العسكري في تركيا على ضخامته وتشعب المشاركين فيه فقد تم تحديد غالبية المساهمين والمؤيدين له، وإيداعهم السجون حتى يكتمل التحقيق وتستتب الأمور، لتبقى حادثة الكرادة لغزاً حير الخبراء الأمنين، ولم يجدوا ما يواري سوأتهم ويداري خزيهم، إلا كلباً في إحدى نقاط التفتيش، رغم أن التقارير تشير إلى أنه أدى واجبه على أفضل وجه.

من المفارقات المؤلمة أن حادثة الكرادة شملت السني والشيعي، المسلم والمسيحي، لتبقى حكومة بغداد كعادتها عاجزة عن قول كلمة الفصل وتحديد المجرم الحقيقي، بعدما تلاعبت بالحقائق ولفتها بالغموض، بينما تمكن المواطن العادي من تحديد المادة المستخدمة في التفجير المتمثلة بالسي فور.

جولة صغيرة في المواقع الإلكترونية والصحف تعطيك أدلة تدين إيران، ليس اليوم والبارحة بل منذ أعوام والقوات الأمنية وحرس الحدود في محافظات جنوب العراق تشتكي من تهريب كميات كبيرة من هذه المادة الشديدة الاشتعال، إلا أن دماء العراقيين باتت أرخص بكثير مما يتوقع أحدنا.

جريمة الكرادة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، بل ستكون أحياء بغداد المختلفة معرضة وبنفس القدر لخطر الانفجارات، كلما تنافست المليشيات والأحزاب السياسية، وأرادت ليّ الأذرع وإثبات أن الأقوى هو من يحمل السلاح الفتاك، ليتنافس المتنافسون على السلطة والجاه والنفوذ بحصد أكبر عدد لأرواح العراقيين.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

مصادر إعلامية: صور المراقبة تظهر نقل أحد الأشخاص حقيبة من إحدى السيارتين إلى الأخرى