اللاجئون السوريون ومعالم الصواب والخطأ

لن ينفع الموتى تحت أمواج البحر التغريدات المستنكرة أو المقالات الشاجبة أو السياط التي تجلد فكرياً أخلاق أوروبا.

الثلاثاء، 01-09-2015 الساعة 07:51


القبر الأبيض المتوسط: هكذا صار اسم ذاك البحر الحامل قوارب وأرواحاً معذبةً يقذف بها على شواطئ أوروبا، أو يدفع بها نحو السماء بعيداً في عالم الأموات، ليمضي أولئك اللاجئون- كغيرهم- مجرد أرقام تضاف لأرقام أخرى من مآسي حرب سوريا، سيذكرها العالم لأمدٍ ما ثم ينصرف عنها لشأن آخر، ولتستمر المأساة بصمت كما كانت في الماضي، وهي مآسٍ لا تقل بشاعة عن طريقة تعاطي الإعلام العربي معها، الذي تجاهلها حيناً طويلاً من الزمن، ثم أشبعها نواحاً وإدانة وقلقاً وتجريماً للعالم الغربي، ضارباً عُرض الحائط أركاناً أساسية تؤسس لتلك الأزمة وتسهم بتفاقمها.

الركن الأول في مأساة اللاجئين السوريين: هو اللاجئ نفسه، وهو الركن الأهم في مأساة اللجوء؛ فاللاجئ هو من يتخذ قراراً بحمله نفسه وعائلته على قارب لتهريب البشر، وهو من يمول بأمواله ومدخراته عصابات تهريب البشر، وهو من يتصل معهم مباشرة أو عبر وسطاء ويطلب خدمات عصابات تهريب البشر، فالفعل المؤدي لركوب قوارب التهريب هو فعل "إرادي" لا بد له من سبق إصرار، وهو فعل له عواقب لا بد أن اللاجئ يدركها ويسمع مآسيها من أقرانه ومن الإعلام ونشرات الأخبار. السؤال: ما هي درجة الاضطرار التي تجعل شخصاً يلقي بنفسه وعائلته وسط أمواج البحر في رحلة الموت والمجهول؟

لربما نتخيل أن هؤلاء نزحوا من داخل سوريا من جحيم بشار، ووجدوا أنفسهم أمام البحر مباشرة، فصار الطاغية من ورائهم والبحر من أمامهم، فاضطروا مرغمين لركوب توابيت تهريب البشر. هل هذه هي الحقيقة؟ يا للأسف: لا! الواقع كله يشير إلى عكس ذلك: فاللاجئون السوريون خرجوا من سواحل تركيا، أي بعد أن وجدوا الحد الأدنى من الاستضافة والاعتراف بمأساتهم، من بلد يكافح لتسوية أوضاعهم ومنحهم حياة إنسانية رغم ضخامة العدد وطول الأمد للنزاع السوري. نحن لم نسمع أن تركيا أغلقت أبوابها أمام لاجئ سوري، ولم نسمع أيضاً أنها رحّلت لاجئاً وأجبرته على المغادرة، أو رمته في عرض البحر تائهاً، كما حصل مع لاجئي الروهينغا- مثلاً- من قبل بلدهم، والذين تنكرت لهم كل الدول الإقليمية ووقعت مأساتهم المعروفة في عرض البحر قبل شهور!

الحقيقة هي أن تركيا ما زالت تستضيف اللاجئين السوريين وتحسن إكرامهم، وما زال لهم في تركيا محل قدم واعتراف ورفادة وتسهيلات تليق بتركيا المثقلة بمشاكلها وتعقيداتها. فهل ثمة اضطرار حقيقي يدفع أولئك اللاجئين لخيارات، أحدها الموت غرقاً أو في الحاويات، انطلاقاً من تركيا؟ لا نعتقد ذلك، ولا نستطيع إيجاد قرينة تبرر المأساة التي يرتكبها اللاجئ السوري بنفسه، بل نعتقد أن ثمة دوافع أخرى تجعل اللاجئ السوري يدفع أموالاً طائلة لمهربي البشر، فهؤلاء الموتى في عرض البحر ليسوا من الفقراء ولا من المعدمين، إذ يتقاضى المهربون آلاف الدولارات نظير الشخص الواحد.

فإذا كان هؤلاء لهم بلدٌ في المهجر يؤويهم، وفي جيوبهم أموال تكفيهم لسد الشره المادي عند مهربي البشر، فلا بد أن ثمة أشواقاً وطموحاً يحملهم إلى جنة أوروبا وحياتها وجنسيتها ورعايتها ودلالها، وهذا كله خارج دائرة الاضطرار، وخارج دائرة الإجبار، وخارج دائرة الفرار القسري الذي يلقي بصاحبه ميتاً على أمواج الأبيض المتوسط.

نحن نتألم جداً من مناظر الأطفال والنساء الغرقى والمختنقين في الحاويات، كما نتألم جداً من ذاك الأب وذاك الأخ وذاك الولي للأمر الذي يلقي بنفسه وعائلته إلى التهلكة طمعاً بحياة أفضل في أوروبا. هذا عبث واستهتار لا يجوز، بل إن هذا الأب الذي يقتل أبناءه بهذا الشكل شأنه شأن الأب الذي يقود سيارته بسرعة جنونية ليرتطم بعد ذلك قاتلاً نفسه وعائلته. مع الأسف، نقول، إن اللاجئ السوري يتحمل المسؤولية الأولى تجاه نفسه وتجاه أسرته وتجاه من يعيل، فالوضع أهون وأسهل من الحاجة للانتحار في مراكب المهربين الفجار!

الركن الثاني هو ركن الإعلام، الذي يتعاطف "سلبياً" وبطريقة "قاتلة" للضحايا القادمين الذي سيغرقون في المستقبل القريب، فيجعل من ركوبهم البحر أمراً مبرراً مستساغاً، ويجعل من الدول الأوروبية الحذرة أو الرافضة لهم: طرفاً مخطئاً بالمطلق. وهذا ليس صواباً، بل هو مشاركة بالقتل يرتكبها الإعلاميون والمتعاطفون والعاطفيون! إذ لا يمكن أبداً تبرير ركوب البحر الهائج مع ما سقناه من ظروف موضوعية لوضع اللاجئين في تركيا. يجب على الإعلام أن "يُـجـرّم"، وبكل وضوح، الفعل الذي يقوم به أولئك اللاجئون بحق أنفسهم وبحق من يعولون، ولا يمكن أن نلوم أوروبا و"نُشَرعِن" الفعل المرتبط بتهريب البشر. هذه جريمة بحد ذاتها، وتستر على الحقيقة، وتبرير لباطل. ويضاف إلى ذلك: يجب تنشيط دور المفكرين والمفتين وعلماء الشرع من الثقاة المعتدلين، بتحريم هذا النمط من الهروب إلى سواحل أوروبا، مهما كانت المبررات أو المغريات، فالنفس البشرية مقدسة، وحمايتها واجب لا تختلف عليه أديان أو تتناطح حوله ملل، إلا ملة بشار الأسد ومن يحميه منذ سنوات!

الركن الثالث لقضية اللاجئين السوريين هي المعارضة السورية في الخارج، التي آن لها أن تتحرك وتتبنى قضية أبنائها، وتمثلها في المحافل الدولية، وتجسدها في مؤسسة تتولى رعاية اللاجئين السوريين في الخارج، وتحمي مصالحهم وتصحح أوضاعهم وترتقي بحالهم المعاشي والقانوني، يجب على المعارضة السورية أن تلتفت لأبناء شعبها بجدية أكثر، وتعمل معهم على أرض الواقع، تماماً كما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم الدولية المتكاملة الأركان، وبالتأكيد فإن من أوجب الواجبات على مثل هذه المؤسسة: توعية أبناء سوريا بعدم قتل أنفسهم في البحر، تحت إغراءات المهربين، وإشاعات الحياة الرغداء في أوروبا.

الركن الرابع: هو دول اللجوء نفسها، التي يجب أن نعترف بأن اللاجئين عموماً (بغض النظر عن أصلهم الجغرافي وانتمائهم الديني) ينقلون مشاكلهم السياسية والاجتماعية إليها، وهي مشاكل ليست سهلة، لا يمكن إجبار دولة ما على تقبلها، ومن هذا يمكن تفهّم موقف الدول الخليجية الرافض لاستقبال اللاجئين السوريين، ولكن هذا لا يعفي دول الخليج والعرب والمجتمع الدولي أجمع من واجباته الإنسانية، فالأصل هو دعم تركيا، القاعدة الرئيسية للاجئين السوريين، وضخ الأموال لتسوية أوضاعهم الإنسانية والارتقاء بمعيشتهم، حتى لا تصير أوروبا حُلماً مجزياً يستحق المغامرة والمقامرة.

الركن الخامس: هو الركن الاستخباراتي الدولي، الذي يجب أن تشارك به مؤسساتياً المعارضة السورية في الخارج، فضلاً عن الدول الأوروبية والعربية وتركيا، وهذا الركن يهدف في أساسه لضرب المنظومات العميقة لعصابات تهريب البشر، إذ لا يعقل استمرار "التجاهل!" و"التغافل!" الأمني لما يجري على سواحل تركيا ومدنها التي ينشط بها تهريب البشر، فهذه مشاركة مباشرة بالقتل، نعتقد أن الوقت قد حان لسن أفعال حقيقية على أرض الواقع لتقليلها، فالإحصاءات الحالية تشير إلى هروب نحو ثلاثة آلاف سوري عبر البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من تركيا، ولا يُعقل أن هؤلاء يتبخرون ويختفون دون علم وسابق معرفة من الأجهزة الأمنية.

لن ينفع الموتى، ولا الأحياء، ولا الذين سيموتون تحت أمواج الأبيض المتوسط أثناء كتابة وقراءة هذا المقال، لن ينفع كل هؤلاء التغريدات المستنكرة أو المقالات الشاجبة أو السياط التي تجلد فكرياً أخلاق أوروبا، فالقضية قضية انتهاك للنفس الإنسانية وحقها بالحياة، ويجب التعاطي الهادئ والموضوعي والمتوازن معها، إذ يكفي السوريين جرائم بشار، وليس مقبولاً أبداً استمرار تلك التوابيت التي تقذفها البحار!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة