اللوبي الخليجي ومآلات المسار

ظلت صورة "اللوبي الصهيوني" شاخصة كنموذج في عيون الساعين إلى استمالة صانعي القرار الأمريكي.

الجمعة، 13-03-2015 الساعة 08:29


تعي الدول أهمية التأثير في سياسات القوى الدولية التي تنعكس عليها. وقد تطلعت دول الخليج كغيرها من البلدان إلى الأخذ بأسباب الحضور الدولي الفاعل، ومحاولة تكييف سياسات الأطراف الفاعلة على المسرح الدولي بما يراعي المصالح والاهتمامات.

كان بلوغ مراتب "جماعات الضغط" التي تعمل في الفناء الخلفي لسياسات القوى العظمى، طموحاً بعيد المنال، وقد اقترنت في التصوّر الخليجي والعربي بقوى الضغط المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أساساً. وهكذا ظلت صورة "اللوبي الصهيوني" شاخصة كنموذج في عيون الساعين إلى استمالة صانعي القرار الأمريكي والتأثير على تقديراتهم.

كانت الأصوات تعلو قبل نصف قرن بضرورة خوض التجربة، وعدم إخلاء الساحة للمصالح الأخرى. وقد سلكت دول المنطقة منذ ذلك الحين مسارها الممتد عبر محطات التلكؤ والتجريب وإعادة إنتاج التجارب.

كان الخليج يتحرك ابتداء ضمن نسق عربي، وبهذا نهضت أولى محاولات "اللوبي العربي" من فضاء العمل العربي المشترك الذي لم تكتمل أركانه. نشطت بعض النخب العربية الأمريكية وقتها في تقديم مقترحات والبحث عن أدوار، واشتقاق مشروعات وتجارب. ونضجت في فضاء الجامعة العربية أفكار عن إقامة مؤسسات ونسج علاقات، دون أن يخرج معظمها من الأدراج.

أنعش "سلاح النفط" الاهتمام الدولي بالخليج وعالمه العربي، وقد تجلى ذلك مثلاً في انطلاق "الحوار العربي الأوروبي" في السبعينات، وازدهار التوجهات العربية للتواصل مع الساحة الأمريكية، بالتزامن مع صعود تجربة "أوبك" في حشد الدول المصدرة للنفط ضمن سياسات إنتاجية وسعرية متناغمة.

لكنّ التصدعات في البنيان العربي أتت على العمل العربي المشترك الذي تضعضعت وعوده، حتى هوى بها زلزال 1990 الذي شطر الرسمية العربية. كرّس الخليج بعدها تحرّكه كمجموعة مستقلة عن النسق العربي الذي تبعثرت مكوِّناته، فأصبح "مجلس التعاون" عنواناً بديلاً للتواصل مع الأقطاب الدولية بعد ضمور "الجامعة".

لم يستقرّ المشهد على هذا الحال، فأعضاء الأسرة الخليجية ذاتها لم يحافظوا على التحرّك الجماعي في المستوى الدولي، فسلك كلّ منهم طريقه منفرداً باحثاً عن شركاء حوار ومنابر مساندة في زمن التكتلات.

وقد تكرّست في غضون ذلك تقاليد الإنفاق السخي على بعض المراكز والأطراف في عواصم القرار الدولي، على أمل أن تكون مفاتيح فاعلة للأروقة المغلقة. تدفقت أموال الخليج على بعض حصون الفكر الأمريكية، تحرِّياً لدعم توجهات هذه العاصمة الخليجية أو تلك، وممارسة تأثيرات مرغوبة على الجالسين في البيت الأبيض والكونغرس. ومثل هذا يحدث حالياً بوتيرة متصاعدة في عاصمة الوحدة الأوروبية، وفي فضاءات العمل الدولي المتعددة مثل نيويورك وجنيف وفيينا وباريس وغيرها.

هو مشهد يكشف عن افتراق لا تناغم، ذلك أنّ "اللوبي الخليجي" ينطوي على تعارضات بينية أو حتى تناقضات داخلية لا تخطئها العين، بما يثير تساؤلات مشروعة عن محصلة هذه الجهود والأموال.

من المثير للتندّر أنّ الطموح الخليجي والعربي بمزاحمة "اللوبي الصهيوني" في معاقله، قد آل بعد نصف قرن إلى قناعات متأصِّلة لدى بعضهم بضرورة نسج شباك التواصل مع أطراف من ذلك "اللوبي"، على أمل أن تكفل دعماً لسياسات عابرة أو إجراءات آنيّة تتخذها هذه الدولة الخليجية أو تلك في زمن المتغيرات الجارفة.

لم يكن مفاجئاً أن تنهار الوعود الحالمة باستمالة صانعي القرار في أوساط القوى العظمى، لأنّ شروط التحرك الفاعل لم تتوفر ابتداء. ولم تبرز للناظرين سوى روايات عن أموال وعمولات قيل إنّ مسؤولين ووسطاء في دول غربية قد تقاضوها في الظلام.

من القسط القول إنّ المشهد لا يبدو قاتماً بالكامل، فقد طوّرت مؤسسات منسوبة إلى المنطقة علاقات ثقافية وإعلامية متعددة على جانبي الأطلسي، ونجحت بعض المحاولات في إيجاد موطئ قدم لها بين الزحام، وإن كانت بعض التجارب قد بدت شاحبة وعبّرت عن مظاهر ثقافية سطحية أو مساعٍ دعائية صرفة.

في مسار التجربة الخليجية في هذا الحقل تفاصيل وفيرة ومحطات متعددة تستحق البحث والمراجعة، واستلهام العِبَر لما هو قادم. إنّ قوة الخليج الناعمة تتطلب انبثاقاً عن فلسفة شاملة للتأثير، وتقديراً استراتيجياً واقعياً لإمكانات التحرّك وآفاقه، مع ضرورة التخلي عن مقولات ساذجة راجت في هذا الحقل.

وما ينبغي قوله أيضاً، إنّ جانباً من معضلة الخليج وعالمه العربي يتعلّق بانبثاق التحرّكات في معظمها عن إرادة المستوى الرسمي ومن خلال أدواته المباشرة غالباً، في عالم تتصاعد فيه أدوار المجتمع المدني ومنظماته الفاعلة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة