المحللون العرب وتصريحات ترامب

من يعطيهم الإعلام اليوم صفة المحللين ينقسمون إلى ثلاثة أصناف، آخرها هُم الذين ينقلون الأخبار.

الأحد، 05-02-2017 الساعة 22:28


لا شك أن أغلب تصريحات ترامب التي أطلق لها العنان فور وصوله الى البيت الأبيض، أثارت عاصفة من الآراء والتحليلات والمواقف داخل أمريكا، وحول العالم - رفضا أو تأييدا - وهذا وضع طبيعي مع تصريحات مفاجِئة كهذه، وغامضة، بل ومُربكة حد الصدمة في بعض الأحيان.

لقد وجدتُ قلة قليلة من المحللين العرب يحللون بحذر ويقرؤون المشهد بتروّ، وأقل من هؤلاء من التزموا الصمت وآثروا الانتظار قليلا ليتعرفوا على هذا الوافد، الجديد على البيت الأبيض وعلى ميدان السياسة الدولية والمحلية على حد سواء، وعلى فريق عمله الذي لا يختلف عنه كثيرا من هذه الناحية، قبل أن يطلقوا العنان لآرائهم وتوقعاتهم، بينما هؤلاء أقدر من غيرهم على فهم معطيات وتشابكات وتعقيدات العلاقات الدولية والإقليمية.

مقابل ذلك وجدنا الكثير من (المحللين الاستراتيجيين والسياسيين) العرب يبنون على قرار هنا أو تصريح هناك أو تغريدة هنالك، تحليلات يقدمونها، وللعجب، على أنها حقائق أقرب منها الى التخمينات، وهم في هذا السلوك التحليلي، كالشاعر الذي أعجبه شطر بيت من قصيدة، فراح يبني عليه قصيدة كاملة، أو كالذي وجد ربطة عنق جميلة فراح يفصل عليها طقما يناسبها.

أغلب هؤلاء يغلفون الأمنيات بالتحليلات، ويزعمون أنها تقوم على دلائل ووقائع، مع أنهم لو قرأوا المشهد بعقلانية لتريثوا كما تريث غيرهم، ولفطموا أقلامهم عن اجتراح الآراء وإطلاق الأحكام بناءً على تصريحات وتغريدات ترامب التي قد لا يعدو بعضها أن يكون جس نبض لحكومات أو ضغطا على أخرى، بغرض تحسين الموقف الأمريكي في الوضع الدولي الراهن، وليس لتقوية أطراف دولية على أخرى، أو تأييد أطراف إقليمية على خصومها، لأن هذا سابق لأوانه، ولا يتوافق مع الشعار الأبرز لحكومة ترامب "أمريكا أولا"، والذي لا يفهم منه الانكفاء الأمريكي، بقدر ما هو تقديم المصالح الأمريكية على كل المصالح، بما فيها مصالح الحلفاء، في مجال العلاقات الدولية.

إن الظروف التي تمر بها العلاقات الدولية، والفاصلة الانتقالية الواضحة التي يمر بها النظام الدولي، بشكل لم يكن مسبوقا منذ الحرب العالمية الثانية، ينبغي أن توضع هي الأخرى في حسبان المحلل السياسي والاستراتيجي، وكل ذلك يحتاج من أي محلل حصيف أن ينتظر الستة أشهر الأولى، أو على الأقل المائة يوم الأولى ليقرأ اتجاهات الحكومة الجديدة ويتلمس توجهاتها، ويكتفي بنقل المعلومات التي ترد من مصادر موثوقة ولا يستطيع عامة الناس الوصول إليها، أو على الأقل بكتابة رؤى استباقية عامة مبنية على معطيات قائمة وليس على تصريحات آنية عائمة، وإن كان الذي يطلقها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

من يعطيهم الإعلام اليوم صفة المحللين (الاستراتيجيين والسياسيين) ينقسمون إلى ثلاثة أصناف، آخرها هُم الذين ينقلون الأخبار، وقد يكتفون حتى من هذه ببعض العناوين المثيرة والملفتة للقنوات الإعلامية والجاذبة لجمهور المتلقين، بغض النظر عن القيمة العلمية والفائدة العملية المتوخاة من هذا النقل العشوائي الانتقائي، وهؤلاء تقع على عاتقهم، مع القنوات التي تتعمد إظهارهم، أكبر المسؤولية عن بناء التصورات الخاطئة، وتضخيم الأحلام الكاذبة، والتي أدى ويؤدي عدم تحققها في الواقع - بعد ذلك - إلى إحباطات وحالات يأس تعاني منها الأمة لأجيال.

الصنف الثاني من هؤلاء المحللين، هم الذين يهتمون بتحليل الأخبار ولا يكتفون بنقلها، ولكنهم إما أن يكونوا أسرى هذه الأخبار لا يخرجون عن إطارها، وإما أنهم يستعجلون ولا يعطون وقتا كافيا لربط الخبر - أو الحدث - بمعطيات التجارب التأريخية والواقعية، وبالظروف الموضوعية المحيطة، مما يفقدهم القدرة على بناء التصورات الكلية، فالحكمُ عندهم يسبق الفهم، وتلك آفة خطيرة تعج بها -ومع الأسف - أغلب آراء المحللين العرب.

أغلب المحللين من هذا الصنف يمكن تمييزهم بتقلب آرائهم، وتغير أفكارهم وتصوراتهم الى حد التضاد أحيانا، وبأسرع من الطبيعي!!، وذلك لسرعة تأثير الأحداث - المتسارعة بدورها - عليهم، ولا يُفهم من هذا الكلام أن المحلل ينبغي أن يجعل من آرائه مسلمات يجمد عليها ويتوقف عندها، ولكن هناك فارق كبير بين تجدُّد الآراء، وتقلبها، فالأول منتج علمي قائم على تغير في المعطيات أو اتساع في زاوية النظر، والثاني وهمٌ تصنعه فوضى وعشوائية النقل والانتقاء العاطفي.

هذا الصنف يساهم هو الآخر في تسطيح الوعي وضبابية الرأي واضطراب الفهم - بنسبة أو بأخرى -، ويسلم الجمهور لقمة سائغة بيد الصنف الثالث، والقنوات المستفيدة منهم، وبيد من يقفون خلف هذه القنوات.

الصنف الأول من هذه الأصناف، هم الذين لا يكتفون بقراءة الحدث، ولا تحليله، وإنما يحاولون قراءة ما وراء الحدث، وما بين سطوره، ويبنون آراءهم وتصوراتهم - وتنبؤاتهم - على تصور كلي لا ينزع الحدث عن ظروفه الموضوعية، ولا من المعطيات التأريخية والواقعية، لذلك نجد الواقع يصدق تحليلاتهم والزمن يكشف عن عمق آرائهم وتوقعاتهم، وهذا الصنف يعتني برأيه، ويحافظ على قيمة كلماته، ولا يُظهِر إلا ما استقر عليه ذهنه من توقعاته.

للأسف فإن هذا الصنف يمثل عندنا قلة من المحللين والباحثين، وسط هوجة من العبث الذي يسميه البعض (التحليل الاستراتيجي أو السياسي)، وأي مقارنة مع مجتمعات أخرى ستظهر البون الشاسع في المخرجات والنتائج، وهذا يستدعي واجبا على المجتمع العربي، يتمثل في تكوين وتفريغ ودعم المحللين الاستراتيجيين والسياسيين، ومراكز البحوث الرصينة، حتى لا يطغى هذا الغثاء الذي تقصف به الكثير من القنوات الإعلامية عقولنا صباح مساء.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة