المرأة العربية إعلامياً وسلطات الثقافة والسياسة والمال

أطلقت عدة جهات معنية بشؤون المرأة الكثير من المبادرات والدراسات، التي ترمي إلى تحسين صورتها في وسائل الإعلام.

الأحد، 11-02-2018 الساعة 13:54


الصورة التي رسمتها أغلبية وسائل الإعلام العربية للمرأة كانت في العموم صورة سلبية، واتخذت أشكالاً مختلفة ولكن مضامينها متشابهة؛ فهي إما تظهر كسلعة أو أداة لتسويق سلعة أو مستهلكة أو جاهلة، أو زوجة متسلطة مع الحضور الدائم لصورة المرأة ربة البيت وتجاهل المرأة العاملة.

أما البرامج الموجهة للمرأة فهي في غالبها تهتم بالطبخ والأزياء والجوانب الجمالية، مع تسليط الأضواء على المرأة المغنّية أو الممثلة كنموذج مجتمعي ناجح يجب الاحتذاء به. وقد عجزت الوسائل الإعلامية عن مواكبة الواقع الحقيقي للمرأة العربية، وعن تناول إنجازاتها وقضاياها والتحديات التي تواجهها برسالة إعلامية جادة وهادفة.

ولذلك لا تكمن المشكلة الحقيقية فقط في التركيز على الصورة النمطية للمرأة، ولكن في غياب الصورة الأخرى لها. فصورة المرأة العاملة في المهن التخصصية المختلفة، وواقع المرأة المكافحة في الريف وأطراف المدن، وما تعانيه من فقر وتهميش والعمل في بيئة صعبة من أجل توفير قوت أسرتها؛ نادراً ما تظهر في وسائل الإعلام.

هذا في الوقت الذي تغيب فيه عن ساحة المعالجة تحدياتٌ حقيقية ما زالت تعانيها المرأة في أغلب البلدان العربية، مثل مشاكل الأمية وتأمين الرعاية الصحية والعنف ضد المرأة، وقوانين الأحوال الشخصية المجحفة بالنساء، وصولاً إلى الحواجز التي تقف في طريق دمجها بفعالية في الحياة العامة وتمكينها اقتصادياً وسياسياً.

وحرصاً منها على تغيير هذه الصورة السلبية؛ قامت عدة جهات عربية وأجنبية -معنية بشؤون المرأة أو بالقضايا الإعلامية- بإطلاق الكثير من المبادرات والدراسات التي ترمي إلى تحسين صورة المرأة في وسائل الإعلام العربية.

اقرأ أيضاً :

فرح بالطلاق.. ما الدافع وراء الاحتفال بـ"أبغض الحلال"؟

فعلى سبيل المثال، أطلقت مؤسسة تومسون رويترز في أبريل 2016 برنامجاً جديداً للعمل مع الصحفيين من أجل تغطية إعلامية متميزة لأخبار المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك استجابة للتقرير الصادر عن مشروع مراقبة الإعلام العالمي، والذي جاء فيه أن المرأة بهذه المنطقة غير ممثَّلة في الإعلام بشكل جيد كمّاً ونوعاً.

وقد أملت تومسون من وراء ذلك تعزيز تغطية إخبارية جيدة المحتوى، يمكن أن تؤدي إلى تغيير الطريقة التي تتعامل بها المجتمعات مع المرأة، كما يمكن أن تقود إلى حصولها على حقوقها.

لذلك وفي محاولة لفهم النموذج السائد للمرأة وغياب الصورة الأخرى لها في أجهزة الإعلام العربية؛ لا بد من رؤية تحليلية ثاقبة للمؤثرات أو السلطات التي تمتلك تأثيراً وسطوة كبيرة في تشكيل مسارات الإعلام، والكيفية التي يعمل بها وفق منظومة متشابكة تعمل بتجانس تام لإنتاج صورة محددة للمرأة في الوسائل الإعلامية، ويمكن إيجازها في سلطات: الثقافة والسياسة والمال.

1- سلطة الثقافة: من غير الممكن أن نتناول قضية تهميش المرأة في الإعلام بمعزل عن وضعها في المجتمع؛ وذلك لأن وسائل الإعلام عادة ما تكون خاضعة في محتواها للثقافة المجتمعية السائدة، وبالتالي تقوم بتأييد وترسيخ التقاليد والمفاهيم المجتمعية وخاصة تلك المرتبطة بالنساء.

لذلك فإنه من الضروري -عند الحديث عن تأثير السلطة الثقافية على الأداء الإعلامي- أن تتم الإجابة على السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، وهو: هل الإعلام هو مجرد مرآة لثقافة المجتمع كما يقال دائماً؟ أم إن الإعلام هو العجلة التي تحرك المجتمع والقوة التي تؤثر في صياغة ثقافته؟

لذلك في توصيف العلاقة بين الإعلام والثقافة لا بد من الإقرار بأن للثقافة عادة سطوة وسيادة في تشكيل الحياة المجتمعية، ولكن مع ذلك يكتسب الإعلام أهمية متزايدة لما له من حضور محسوس في المجتمع المعاصر، وبما يمتلكه من قدرة على تغيير أفكار الناس وتوجيه سلوكياتهم.

هنالك ضرورة الآن للعمل من خلال الوسائل الإعلامية لتحدي التنميط المجتمعي للمرأة، وإيجاد سبل لتعزيز التكاملية بين الثقافة والإعلام بوصفهما محركيْن أصيليْن لأي عملية تغيير منشودة، مع ضرورة قيام الإعلام بوظيفته التنويرية ومسؤولية الغربلة الثقافية، لخلق واقع أكثر إيجابية للمرأة العربية.

2- سلطة السياسة: وكما أن وضع المرأة في الإعلام لا ينفصل عن الظرف الذي تعيشه في الحياة الثقافية؛ فإن وضعيتها في الإعلام مترافقة -إلى حد بعيد- مع السياسات العامة للدولة.

ومن هذا المنطلق لا بد من الحديث عن كيفية تأثير السياسات الحكومية على الطرح الإعلامي لقضايا المرأة. والواقع يقول إنه عندما تكون الأجهزة الإعلامية مملوكة للدولة، أو حتى للقطاع الخاص في الأنظمة غير الديمقراطية كما هو الحال في كثير من الدول العربية؛ فهي في كلتا الحالتين تعمل وفق الضوابط الحكومية.

لذلك فهي تخضع للسلطة السياسية حيث يكون الهاجس هو خدمة النظام السياسي القائم والترويج لأهدافه وللأيديولوجيا التي يحكم بها. وفي هذه الحالة يتضح تأثير السياسات العامة على المضمون الإعلامي لقضايا المرأة، وذلك للعلاقة اللصيقة بين وضع المرأة والوضع العام للحريات وحقوق الإنسان، وطبقاً لمستوى تمتع المواطنين بممارسة مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

اقرأ أيضاً :

فتاة فلسطينية تنقل حملة رفض التحرش إلى الضفة الغربية

ولهذا فإنه لا يمكن إلقاء اللوم فقط على وسائل الإعلام، لأن الحكومات هي الجهات الفاعلة الرئيسية في توجيه التغيرات الثقافية والاجتماعية داخل بلدانها؛ وبالتالي يصبح الخطاب الإعلامي في مجمله نتاجاً لتوجهات الدولة. وهذا يقودنا إلى التسليم بأن المطابقة بين الخطاب السياسي والديني حول المرأة يؤدي بالضرورة إلى تماثل في الخطاب الإعلامي الموجه لها.

لذلك فكما تتجنب وسائل الإعلام العربية -في أحيان كثيرة- التعرض لقضايا المواطنة والانتهاكات والفساد وغياب سيادة القانون في بلدانها؛ فهي تتجنب أيضاً تناول قضايا جدلية حول حقوق المرأة والمساواة، وضرورة تعديل الدستور والتشريعات الخاصة بالنساء، وغيرها من قضايا قد تزعج السلطة الحاكمة.

ولعل هذا يقودنا ضرورةً إلى الحديث عن الإعلام الجديد ومساحات الحرية التي أتاحها للمدافعين عن حقوق الإنسان بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة. فقد أدى الإعلام الجديد إلى مناقشة الكثير من المسكوت عنه، ممَّا يبرهن على أن هناك خطاباً موازياً في أهميته للخطاب الرسمي، وحواراً حول القضايا النسوية ذا طابع حقوقي وفي منتهى الجرأة وعدم التقليدية.

مثلاً؛ هنالك مجموعات نسائية في السودان محظور ظهورها في الإعلام الرسمي، ولكنها لجأت لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لها، مثل مبادرة "لا لقهر النساء" التي تهدف لمحاربة العنف ضد المرأة وللمناصرة الفعلية للنساء اللائي تتم محاكمتهن، بناءً على قانون النظام العام المختص بمعاقبة النساء بناءً على لبسهن أو عملهن ببعض مهن القطاع غير الرسمي.

3- سلطة المال: في دراسة أجراها الدكتور جيروم شاهين في لبنان عام 2003 عن "موقع المرأة في المؤسسات الإعلامية"؛ تبين أن المرأة تعمل -في المرتبة الأولى- مذيعة للبرامج الترفيهية، أما موقع المرأة كإدارية تشارك في صنع القرار فجاء في المرتبة ما قبل الأخيرة، وفي المرتبة الأخيرة جاء موقع المرأة كمالكة لوسيلة إعلامية.

ولكن الحالة اللبنانية ليست استثناء؛ فعدم ملكية المرأة أو غيابها عن مواقع اتخاذ القرار في وسائل الإعلام وشركات الإنتاج الفني المنتجة للدراما وشركات الدعاية والإعلان، تظل هي الحالة السائدة في معظم الدول العربية. وبما أن جميع المؤسسات الإعلامية والإعلانية قد أسست لتحقيق أهداف ربحية؛ فغالباً ما تكون خاضعة لسلطة المال، ولذلك فإنه عادة ما يتم تناول قضايا المرأة بالكثير من السلبية واللامبالاة التي تحاكي القوالب النمطية السائدة.

كما أن وسائل الإعلام تعمل على جذب أكبر قاعدة جماهيرية ممكنة لجلب المعلنين، لأن الحاجة إلى الإعلان كمصدر للتمويل أدت إلى التغافل عن النمط التسليعي الذي تظهر به المرأة في الإعلانات.

لذلك فإن منح النساء أدوراً قيادية في صناعة الإعلام العربي، وملكيتهن للمؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج الفني والإعلاني؛ يمكن أن يؤدي إلى تطوير الوعي داخل هذه المؤسسات بشأن تأثير قرارات ومضامين الإنتاج والإعلان على الكيفية التي تمثل بها المرأة إعلامياً.

وذلك باعتبار أن النساء هن الأكثر قدرة على التعبير عن قضايا غيرهن من النساء، ويمكن أن يلعبن دوراً حيوياً في زيادة الوعي المجتمعي وتعزيز حقوق المرأة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة