المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الخليجية

مع الانخفاض الهائل في أسعار النفط يجب التحذير من انتكاسات في التزام المؤسسات الخليجية بمسؤولياتها.

الخميس، 18-12-2014 الساعة 20:24


ليست المسؤولية الاجتماعية ترفاً، بل تفرض التزامات على كلّ مؤسسة، رغم تفاوت المؤسسات في حجمها ومدى أعمالها ووفرة مواردها.

لا تنتفي المسؤولية الاجتماعية حتى لو انحسرت العوائد وتقلّصت الأرباح أو تراكمت الخسائر، لأنّها تترتّب على وجود المؤسسة ذاته وعلى عملها المجرّد.

ومع الانخفاض الهائل في أسعار النفط يجب التحذير من انتكاسات في مدى التزام المؤسسات الخليجية بمسؤولياتها نحو مجتمعاتها، إنها حالة تغوي بالتخلي النسبي عن جودة الامتثال لهذا الالتزام، وقد يمسّ ذلك بالمسؤولية الاجتماعية بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولمّا كانت المسؤولية الاجتماعية تتمدّد في المؤسسات من نطاقها الداخلي إلى دوائر تزداد اتساعاً من حولها؛ وجب النظر في واقع الممارسات وكيفيات التنزيل الذي يحظى به هذا المفهوم في الواقع.

من هنا؛ ينبغي فحص المعايير والالتزامات التي يخضع لها أداء المؤسسات في هذا الحقل. ثمة حاجة في بيئة العمل الخليجية إلى المصارحة بشأن ظروف العمل مثلاً. إنه نقاش غائب عن ملابسات مواقع العمل وسلامة العاملين، ومواصفات التعاقدات الوظيفية والعمالية، ومدى القبول بالعمل النقابي، وغير ذلك من الملفات التي لا تفتقر إلى الحساسية. ولعلّ ما عرفته دول المنطقة من إصلاحات نسبية في هذا الحقل إنما جاء أساساً بأثر التناول الخارجي الناقد للأوضاع والممارسات القائمة، وهو ما شكّل على مدى سنوات، مادة دسمة لتقارير حقوقية صدرت بلغات العالم.

أمّا المساهمات المادية المنتظَرة من مؤسسات الأعمال في مجالات النفع العام؛ فتتطلّب مراجعة عميقة في الفلسفة والتوجّه والأساليب المتبعة. هي مراجعة لا غنى عنها، يحتِّمها الوعي بالدور المتعاظم الذي تضطلع به مؤسسات الأعمال في إسناد المجتمع وتنميته اجتماعياً وثقافياً وعلمياً، وفي تحفيز التميّز الذاتي ومقوِّمات الإبداع الكامنة ضمن أجياله. وستفرض هذه المراجعة تطويراً لا غنى عنه لتقاليد رعاية النشاطات الثقافية والبحثية والخيرية والبيئية وأعمال النفع العام إجمالاً.

تفرض المسؤولية الاجتماعية التزاماتها على أطراف شتى في المجتمع؛ بدءاً من الحكومات ذاتها، فهي مُطالَبة بالتزامات متعددة، منها مثلاً تطوير سياسات المساعدة الإنمائية والتعاون الدولي، والدفع باتجاه وضع معايير جودة في مجالات متعددة.

بيد أنّ الحكومات مُطالبة أساساً بإزالة العراقيل التي تحدّ من فعالية المؤسسات الخيرية الخليجية التي تدهورت مكانتها عالمياً منذ بدء القرن الحالي، في حين انتعشت أدوار منافساتها في الخير العالمي.

أبعد من ذلك؛ يجدر إثارة الأسئلة الناقدة، ومنها: هل من فرصة لذوي الاحتياجات الخاصة، مثلاً، في مواقع المسؤولية المتقدمة في الخليج؟ وهل سيُفتح الباب للمقعد المتحرّك، ليشغل مواقع الإدارة العليا، أو ليجلس عليه وزير كما فعلت بعض الأمم بنجاح؟

هناك ما يستدعي النقاش أيضاً في أداء الشركات والمصانع، وكذلك في مرافق الحياة المتعددة؛ دون استثناء القطاع الصحي الذي يلامس المجتمع من أعماقه. أمّا وسائل الإعلام فما زالت تعمل بمنطق التدفّقات أحادية الاتجاه التي لا تفتح لمجتمعاتها الخليجية بوابة المساهمة المتبادلة في صياغة التوجّهات والمضامين البرامجية، فتُبقي الجمهور في خانة التلقّف دون نقاش، أو تصرفه إلى وسائل إعلامية أخرى يجد فيها ضالّته.

يتطلّب النهوض بواقع المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الخليجية، حزمة من الخيارات والإجراءات تُحدِث فارقاً ملموساً في الوفاء بالالتزامات الواقعة على عاتق مؤسسات الدولة والمجتمع، ولن تكفي الشعارات الزاهية وحدها للنهوض بذلك.

فعلى المؤسسات الخليجية، في بيئات الإدارة العامة والمرافق الخدمية، وقطاعات الأعمال، وحتى المجتمع الأهلي، أن تستعدّ لاتخاذ إجراءات إصلاحية، مهما بدت "مؤلِمة" أو "صعبة"، حتى لو أرغمها ذلك على التخلِّي عن قسط من الأرباح، أو على رفع كلفة الأداء.

يتطلّب هذا المسعى التحلِّي المستمرّ بالحسّ النقدي، وإبداء الاستعداد للمراجعة المسؤولة فيما يتعلّق بأي من جوانب الأداء. كما يستدعي الأمر، فحص قدرات المؤسسات وطاقاتها الكامنة، وإمكاناتها القابلة للاستفادة في مجالات النفع العام وتقديم الخدمات غير الربحية وإسناد المجتمع.

سيتّضح مع الوقت كيف تنهض المسؤولية الاجتماعية كعامل موازنة بين الأهداف الذاتية للمؤسسات من جانب والالتزامات نحو المجتمع من جانب آخر. أي إنّ الشركات التي تمتصّ أرباحها من المجتمع؛ عليها أن تجتهد في منح المجتمع خدمات لا تحرِّكها المنفعة الذاتية وحدها.

يستحقّ المجتمع ردّ الجميل إليه؛ فتأتي "المسؤولية الاجتماعية". هكذا باختصار.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة