المسؤولية الخليجية في ملف اللاجئين

لن تعجز دول الخليج عن صياغة آليات لاستيعاب أعداد معقولة من اللاجئين مع استحداث ترتيبات تتيح لهم المأوى الكريم.

الأربعاء، 02-09-2015 الساعة 10:03

هام ملايين اللاجئين على وجوههم خلال السنوات الأخيرة، فتدفقوا إلى تركيا ولبنان والأردن والمناطق الكردية في شمال العراق وأقاليم أخرى، وركبت الجموع المخاطر صوب أوروبا وقد تلحق بهم أضعاف مضاعفة. ويبزغ السؤال شاخصاً: ولماذا لا يقصد القوم جزيرة العرب رغم لافتات "الإنسانية" المرفوعة في أرجائها؟ ألم تتحوّل "الإنسانية" ذاتها إلى المصطلح المركزي في سياسات العلاقات العامة لدول الخليج، فيبقى حجة على رافعيه أيضاً في ميدان التطبيق العملي؟

 

يقع الخليج في كوكب الأرض، تماماً بمحاذاة تلك الرقاع الملتهبة التي يفرّ منها اللاجئون بالملايين بحثاً عن ملاذات آمنة. لكن كم استقبل الخليج منهم حتى الآن؟ لا يسعفنا أي بيان توضيحي خليجي في العثور على إجابة عن السؤال المفتوح.

 

على الخليج، قادة وحكومات ومجتمعات، وعلماء ومثقفين، ومؤسسات إنسانية وحقوقية، أن يبادروا إلى مراجعة المنطق السائد الذي عفا عليه الزمن في غض الطرف عن استقبال أفواج اللاجئين، والاكتفاء عوضاً من ذلك بمساعدتهم عن بُعد. فإن أراد الخليج العيش في عالمه والانتماء إلى أمته والانتساب إلى رقعته؛ فإنّ لذلك أثماناً إنسانية وأخلاقية يتوجب سدادها، فضلاً عن أنها استحقاقات دينية وأخوية وقومية، ولا شيء يَعدُل الاحتضان المباشر وتوفير المأوى الكريم.

 

هل بوسع الخليج حقاً أن يشيح بوجهه بعيداً عن الغرقى في أعماق البحر، أو أن يتجاهل ظواهر الاختناق الجماعي في الشاحنات؟ إنّ المسؤولية عن الهلع الجماعي والمآسي المتعاظمة تخصه ابتداء قبل أن يكون العالم الفسيح معنياً بها. ولا معنى لبيانات القلق والأسف الخليجية عندما تصدر بعد الفواجع التي تفترس الباحثين عن الأمان؛ لأنّ الانشغال الحقيقي على سلامتهم إنما يستدعي المساهمة الفعالة في تدبير الملاذ الآمن لهم بما لا يضطرهم إلى التكدس في المراكب المتأرجحة والشاحنات المتداعية.

 

يجب التحرر من الأوهام، فلدى الخليج القدرات الكافية وزيادة، للقيام بالمسؤولية، ومن يصعد بناطحات السحاب إلى الأعالي لن يعجز عن توفير شروط الحياة اللائقة على الأرض لجموع الأسر والأطفال التي تبيت في العراء على مرأى من أمم العالم. لن تعجز دول الخليج عن صياغة آليات فعالة لاستيعاب أعداد معقولة من اللاجئين، مع استحداث ترتيبات إجرائية عملية تتيح لهم المأوى الكريم.

 

تبقى التساؤلات منثورة في الأفق. أفلا يستحق الموقف الإنساني العصيب، بكل ما يحتويه من مآسٍ متفاقمة، قمة إنسانية خليجية عاجلة على مستوى القادة؟ ألا يجدر بشركاء الخليج أن يبحثوا "آلية توزيع" مريحة لحصة معتبرة ممّن فقدوا المأوى، وأن يبعثوا برسالة "حزم" إنسانية إلى الأشقاء المنكوبين في هذا المنعطف التاريخي؟!

 

ما هو مؤكد أنّ القدرات المتاحة تتجاوز حدود القوافل الإغاثية التقليدية التي توزع البطانيات والتمور والمساعدات المتفرقة في تجمعات اللاجئين التي تستضيفها الدول الأخرى، فما هو مطلوب قبل أي شيء هي الاستراتيجيات الفعالة التي لا تستثني استضافة حصة من هذا النزيف البشري الذي يهيم على وجهه بين القارات.

 

لا محظورات في هذا النقاش طالما يقضي الأطفال في العراء وتهلك الأسر في رحلات المخاطر بحثاً عن ملاجئ في أقصى الأرض.

 

وليس بوسعنا تصديق الرواية القائلة بأنّ تركيا أو اسكندنافيا أو بعض الأقاليم الأخرى هي موطن القلوب الرحيمة دون غيرها.

 

مع الأمل بأن يظل الخليج واحة للأمان والعيش الرغيد؛ تبقى لذلك ضريبته الإنسانية والأخلاقية فضلاً عن التزاماته الدينية والأخوية نحو البشر، أو بالأحرى الأشقاء، العالقين في أزماتهم ونكباتهم. إنه موضوع جدير بالتداول والمساءلات والاستجوابات في المجالس التمثيلية والنيابية والشورية والبلدية على أنواعها في دول الخليج، ولا أولويات في المسألة يمكن أن تتقدم على حياة البشر وأمنهم وسلامتهم.

 

على الخليج أن يتحسس مسؤولياته اليوم؛ قبل أن تسأل الأجيال الخليجية القادمة عن موضع الفقرة التالية من كتب التاريخ: ".. وما إن عمّ البلاء وفزع الناس في الجوار، حتى هبت بلادنا لإغاثة الملهوفين وما قصّر أجدادنا بالنهوض بالواجب إذ أفسحوا السبل ليجدوا فيها المستقر والأمان، ولم تبق للأشقاء المكروبين من حاجة بعد ذلك في مسكن أو مأكل أو ملبس، وظلوا على هذه الحال من الكفاية والسعة حتى أذن الله بجلاء الكرب عنهم فعادت جمهرتهم إلى ديارهم مكرّمين، ومكثت بقيتهم لتشارك في تعمير بلادنا وازدهارها، واكتسب الأشقاء كثيراً من عادات بلادنا في حياتهم ومعاشهم".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة