المعارضة السورية على أبواب المغادرة

غادرت المعارضة السورية جنيف احتجاجاً على ممارسات النظام بحق المدنيين ووجهتها لا تزال مجهولة.

السبت، 23-04-2016 الساعة 12:42


يبدو أنه آن الأوان لكشف الأوراق فيما يتعلق بالملف السوري، وآليات التعاطي مع أطرافه، بعد خمس سنوات أو تزيد من المواربة بالمواقف، والهوَّة العميقة بين التصريحات والأفعال.

لم يتوقع السورييون منذ أن شاهدوا التأييد الدولي لثورتهم ضد الاستبداد والظلم الذي مارسه نظام الأسد على الشعب السوري على مدار نصف قرن من الزمان، أن يتحول هذا التأييد تآمراً مع الجاني على الضحية.

في الوقت الذي اعتُرِف فيه بالائتلاف كممثل شرعي للشعب السوري، استدعى ذلك منطقياً انهيار نظام الأسد في الذهنية الدولية، إلا أن هذه النظرة لنظام الأسد ما لبثت أن بدأت بالتعافي، ما يدل على عدوى أطاحت بالأخلاقيات الإنسانية الدولية.

خطوطٌ حمراء كثيرة لم يمنع أحدها الأسد ونظامه عن الاستمرار في قمعه لهذا الشعب الأعزل بأشد وسائل العنف المتاح، ابتداء بالسكين وليس انتهاء بالكيماوي الذي تجاوزه المجتمع الدولي مراتٍ ومرات.

واليوم تقف المعارضة السورية على باب المغادرة في مطار جنيف بعد جولات متعددة لما تمَّ تسميته مفاوضات "سورية – سورية" لم يكن فيها للسوريين مكان، إلا حين يُراد لهم الترحيب والشكر.

تقف المعارضة على باب المغادرة ولا تدري هل سيكون ذهاباً دون عودة؟ وهل سيحتفظون لها بمكانها الذي أخلته أم أن البدائل جاهزة؟

انسحاباً متئداً كان انسحاب وفد الهيئة العليا للتفاوض من جنيف بعد إعلان المنسق العام لها، رياض حجاب، تعليق الهيئة مشاركتها في المفاوضات احتجاجاً على ممارسات نظام الأسد بحق المدنيين، والتي لم يرض الأخير وصفها بانتهاكات للهدنة وإنما بانتهاكات مستمرة.

إلا أن هذا الانسحاب المتئد لم يدفع الأطراف الدولية للتفاعل مع طلبات المعارضة، على الأقل الإنسانية منها، ناهيك عن الطلب السياسي المتمثل بهيئة حكم انتقالي سخر منها مندوب الأسد وسميُّه، بشار الجعفري في تصريحاته، وأحال المطالب إلى حكومة انتقالية تحت سلطة الأسد.

وبين هيئة الحكم بمؤداها والحكومة الانتقالية بمعناها الذي أريد لها أن تكون في إطاره، شعب يتحدث المجتمع الدولي بأرقامة المثاقلة، أنه قدَّم ما يزيد على 400 ألف إنسان وفق تصريحات للمبعوث الدولي لسوريا اليوم.

بخطبة الوداع العصماء التي اقترب فيها من الشارع الثوري، ونداءات الساعات الأولى، وقف المنسق العام لهيئة التفاوض في جنيف ليقول إنه لا تراجع عن مطالب الثورة وإن سوريا لا مكان فيها للأسد.

الأسد الذي قال على لسان ممثليه بأن سوريا لا مكان فيها لمعارضة الرياض، ولا لوفدٍ ضمَّ بداخله إرهابيين، مشيراً إلى محمد علوش ممثل جيش الاسلام وكبير المفاوضين في هيئة التفاوض.

ليس غريباً أن يُشار لكبير المفاوضين الثوريين على أنه إرهابي، ولا لنظام الأسد المجرم على أنه السلطة الشرعية في سوريا، أو أنه الحليف الأول في مواجهة التنظيمات الجهادية الإرهابية، فقد آن الأوان لتحرير المصطلحات.

المصطلحات التي يُعاد تعريفها اليوم بشروح مختلفة عن تلك التي وضعها الثوار، أو تلك التي تحدث عنها المجتمع الدولي في فترات سابقة.

فاليوم يتم الحديث عن معارضات لا معارضة واحدة، أسوةً برواية النظام التي بدأ يتعاطى معها إبان انطلاق محاولات إيجاد حلول سياسية في سوريا، وبالطبع فوجود المعارضة في جنيف، هو فرض كفاية لا فرض عين، إسقاطاً للتعريف الشرعي على الحدث، فإن غابت معارضة حلَّت غيرها.

وهذا هو ما كان يخشاه وفد "الهيئة العليا للتفاوض" من الفرق الاستشارية التي اختارها المبعوث الدولي للوجود في جنيف، وهو ما أكدَّ عليه الجعفري بأنه ماضٍ في المحادثات رغم انسحاب وفد الرياض.

واليوم يتم الحديث عن تطور "حقيقي" على صعيد إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، وفق ما أعلن عنه، دي ميستورا، في ختام اجتماع لمجموعة العمل الدولية حول الشؤون الإنسانية في جنيف.

ويتم الحديث عن أكبر شاحنة مساعدات إنسانية مشتركة في الرستن، على لسان المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بافل كشيشيك، ويتم الحديث عن إخلاء لجرحى ومرضى في الزبداني أو مضايا، وعن إيصال المساعدات إلى أكثر من 680 ألف شخص في المناطق المحاصرة، دون الحديث عن محاصرهم، طبعاً دون الحديث عمّن منع عنهم الدواء والحياة فالمهم أنه الآن متفضل بها.

واليوم يتم الحديث عن انتصارات لقوات النظام تعيد له في أيام ما عجزت عنه التحالفات الدولية في شهور، لتكون أشبه بعمليات تسليم حالها حال عمليات الاستلام السابقة، وبالمقابل توغل لقوات داعش في مناطق المعارضة ممّا يستدعي قصفها، ليس خروجاً عن الهدنة وإنما إعمالاً للاستثناء الأصيل المتمثل في متابعة الحرب ضد داعش والنصرة.

واليوم يتم الحديث عن توافقات دولية لحل القضية السورية، وعن اتفاق روسي أمريكي لمفاصل الحل وآلياته.

الحل الذي من الممكن أن يصل له المجتمع الدولي بتعديلات بسيطة على حلول الساعات الأولى التي تحدث عنها ممثل المعارضة في خطبة الوداع، ليكون الحل بأنه لا مكان للمعارضة في مستقبل سوريا.

ستبقى المعارضة السورية على أبواب المغادرة إلى أن تعود إلى قبلتها الأولى المتمثلة بالشعب السوري، لا المجتمعات الدولية التي كانت أبخل ما تكون في السماح للشعوب العربية بأن تنال حريتها وكرامتها.

ستبقى المعارضة السورية على أبواب المغادرة إلى أن تعود لما حفظه ديوان العرب حين قيل:

ولا ترجو السماحة من بخيلٍ فما في النار للظمآن مـــاء

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة