المقاربة الأمنية الجزائرية لحماية الدار والجار

التصريحات الصارمة من قيادة الجيش والحكومة جاءت لتعطي رسالة واضحة بأن النظام متماسك ولا يقبل بأي حراك يؤدي إلى الفوضى.

الخميس، 19-01-2017 الساعة 13:37


"سنرمي الإرهاب في سلة مهملات التاريخ فعلاً وليس قولاً"؛ كان هذا آخر تصريح في سنة 2016 لنائب وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق قايد صالح، كما صرح الوزير الأول عبد المالك سلال بأن "الربيع العربي لا يعرفنا ولا نعرفه"، وذلك عقب الاحتجاجات والإضرابات مع بدايات 2017، التي رافقتها أعمال حرق وتخريب في ولاية بجاية، وبدرجة أقل في ولايات البويرة وتيزي وزو.

وهي ولايات تنتمي لمنطقة متعودة على الاحتجاج، ولكن هذه المرة كانت نداءات الإضراب والاحتجاج على تداعيات قانون الموازنة لسنة 2017 من جهات غير معروفة، وهذا ليس من تقاليد الحراك الشعبي بالمنطقة منذ الاستقلال.

هذه التصريحات الصارمة من قيادة الجيش والحكومة جاءت لتعطي رسالة واضحة بأن النظام متماسك ولا يقبل بأي حراك يؤدي إلى الفوضى.

- التجسس الإسرائيلي على الجزائر

بعد تراجع حركة الإضراب، المحدودة أصلاً في منطقة القبائل، وبعد أشهر من استتباب الأمن في منطقة وادي ميزاب بالجنوب الجزائري أعلنت مصالح الأمن توقيف عشرة أفارقة ومن جنسيات مختلفة، وخاصة من دول الجوار، وذلك بمدينة غرداية، كبرى مدن منطقة وادي ميزاب.

هذه التوقيفات أعادت إلى الأذهان التحذيرات التي قدمها الكثير من الباحثين والمتابعين للأمن القومي الجزائري، وعلى رأسهم البروفيسور وليد عبد الحي، عالم السياسة الفلسطيني والمتابع من كثب لمراكز القرار والأبحاث الإسرائيلية المهتمة بالجزائر، حيث ذكّر بتوقيف عميل الموساد من طرف الأمن الجزائري في مارس/آذار 2010 حيث دخل هذا العميل الجزائر بجواز سفر إسباني مزور، وكانت مهمته تجنيد عدد من العاملين الأجانب في الشركات العاملة في الجزائر لجمع المعلومات عن الأوضاع في الجزائر.

كما أعاد للأذهان ما كشفت عنه المخابرات الأوكرانية عن وصولها لوثيقة اتفاق سري تم توقيعه في 17 مايو/أيار 2011 بين المجلس الانتقالي الليبي وإسرائيل؛ بغرض بناء قاعدة عسكرية إسرائيلية قرب الحدود الجزائرية.

كما قامت إسرائيل بتوجيه أقمارها العسكرية المخصصة للتجسس نحو الجزائر والتقطت صوراً لمنشآتها العسكرية في البليدة وبومرداس وأم البواقي.

إن الجزائر ما زالت تشكل هاجساً بالنسبة لإسرائيل حيث تحاول أن تعيد سيناريو العراق مع الجزائر وهو ما يبرز بشكل جلي في كتابات أحد أبرز المحاضرين والكتاب الإسرائيليين في الشؤون الدفاعية والأمنية (Reuven Pedatzu) الذي كتب في صحيفة هآرتس مقالات تحت عنوان: (West Fears Algeria Makes Saddam Nukes) في العدد المؤرخ في 21/6/2001، تناول فيه ما يعتبره طموحات جزائرية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ليصل الدكتور وليد عبد الحي، وهو أستاذ سابق في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، إلى أنه لا استقرار في المنطقة بوجود إسرائيل، داعياً الجزائريين إلى فتح عيونهم جيداً ورفع درجة اليقظة؛ "فالشيطان يزحف نحوكم".

اقرأ أيضاً:

شاهد.. 40 قتيلاً و300 مفقود بانهيار برج تجاري في طهران

- حدود ملتهبة ومحيط هش

تعتبر الجزائر أن التعامل مع الجماعات المتمردة على أنظمة الحكم في بلادها ما هو إلا مدخل لتشجيع الفوضى، الذي تستغله الدول المتنافسة، وأحياناً المتصارعة على الثروة والنفوذ، لتفرض على الحكومات والشعوب القبول بشروطها والإذعان لمطالبها ومصالحها ومصالح شركاتها.

هذه الأسس التي بنت عليها الجزائر مقاربتها للثورات العربية أو ما تسميه تمرد الجماعات على أنظمة الحكم في بلدانها.

كما أن للجزائر مقاربة أمنية تعتقد أنها تحقق الأمن لها ولمحيطها الجيوسياسي، حيث تقوم هذه المقاربة على الاعتماد على الدبلوماسية كطريق للتحرك في محيطها المغاربي والإفريقي، خاصة أن جميع حدودها البرية، والتي تصل إلى 6343 كم، حدود ملتهبة، وأمن أي جار هو من أمن الجزائر، لكن يعترض ذلك جملة من المعوقات أهمها:

1. الصراع داخل الدولة الواحدة كما يحدث في كل من ليبيا، والنيجر، ومالي.

2. انتشار الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والأسلحة.

3. ضعف وعدم استقرار الدول المجاورة التي شهدت منذ بداية الألفية ستة انقلابات (تشاد، وموريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو).

4. انهيار نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، ودخول البلاد والمنطقة في فوضى السلاح، وبداية بناء ليبيا الجديدة من تحت الصفر.

5. استمرار غلق الحدود مع المغرب منذ 1994.

6. حالة التأهب في إقليم الصحراء الغربية بين جبهة البوليساريو المسيطرة على جزء كبير من الإقليم والمملكة المغربية، وهذا النزاع ما زال ينتظر التسوية الأممية.

لهذا تتمسك الجزائر بالمبادئ التالية:

1) عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة.

2) تفعيل أساليب الحوار والطرق السلمية، وإبعاد الأساليب العنيفة لفض النزاعات.

3) اعتماد التنمية الاقتصادية للمناطق التي تشهد نزاعات (طوارق مالي وطوارق النيجر).

4) تفعيل التنسيق والتعاون المشترك بين الدول المتجاورة لمواجهة التهديدات الأمنية في منطقة الصحراء والساحل، حيث تم إنشاء القيادة المشتركة لأركان جيوش الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر ومقرها مدينة تمنراست في أقصى جنوب الجزائر.

5) الإصرار على مكافحة الإرهاب جماعياً، ومنع انتشاره، والتصدي لمحاولات الدول الغربية دفع الفدية للإرهابيين، وأن لا حوار معهم إلا بالوسائل العسكرية والأمنية.

6) تفعيل مؤسسات الاتحاد الأفريقي، وبالخصوص لجنة السلم والأمن، وكذلك بقية المنظمات الأفريقية الجهوية، لحل مشاكل أفريقيا عن طريق الأفارقة وحدهم، دون إغفال الدعم الدولي للمجهود الأفريقي لكن دون تدخل مباشر.

7) الاهتمام المتزايد للسلطات الجزائرية من أجل التأمين الأمثل للحدود، وذلك بحشد عشرات الآلاف من الجنود على طول الحدود الطويلة للجزائر، وتكثيف الطلعات الجوية، وهو ما أسهم في حماية الحدود للجزائر وجيرانها.

8) الاهتمام أكثر بالجنوب الجزائري، الذي يمثل أضعف منطقة في الأمن القومي للجزائر؛ وذلك لشساعته من جهة، وللأخطاء التي ارتكبت منذ الاستقلال في مجال التنمية وعدم العمل لإعماره بجزء من ساكنة الشمال، وتمثل ذلك الاهتمام بتقسيم إداري جديد، حيث تم استحداث ولايات منتدبة في الولايات الجنوبية، وتقديم الكثير من الحوافز للموظفين والشركات للعمل في هذه المنطقة الحساسة.

- الجبهة الداخلية

كل هذه الإجراءات والتدابير التي اعتمدتها المقاربة الأمنية الجزائرية لحماية الدار والجار من التهديدات القادمة من كل الجهات، تحتم حسم كثير من القضايا على مستوى الجبهة الداخلية، التي طالبها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة برص صفوفها للتصدي للتحديات الخارجية، وعليه؛ فلا بد من:

1- الذهاب للانتخابات التشريعية في ربيع 2017 والولائية والبلدية في خريف 2017، بإرادة سياسية تنهي مرحلة التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات، والخروج بمجلس شعبي وطني حقيقي، ومجالس ولائية وبلدية تمثيلية، والذهاب قبل نهاية السنة إلى حزمة جديدة من الإصلاحات السياسية تعزز دولة القانون والحريات.

2- مصارحة الشعب الجزائري بحقيقة الوضع الاقتصادي المتدهور، وتشكيل حكومة قوية مسنودة من التيارات السياسية الرئيسية في البلاد، تكون مهمتها الأولى وضع برنامج للخروج النهائي من الاقتصاد الريعي، والدخول في الاقتصاد المنتج.

3- الحسم في جميع قضايا الهوية، وضرورة تكفل الدولة بها، حتى لا تستغل من أي طرف كان لضرب الوحدة الوطنية.

4- إعادة النظر في مقاربة الأمن القومي للجزائر، وتكييفها مع التطورات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، وتصاعد التهديدات، والتفكير بشكل جدي في التدخل العسكري لضرب والقضاء على البؤر التي تنطلق منها الاعتداءات ضد الجزائر خارج حدودها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة