المقاربة السعودية - القطرية لترتيبات المشهد الإقليمي

يتصف المشهد الإقليمي، اليوم، بالتشابك والتعقيد، كلوحة سوريالية امتدت إليها أياد كثيرة تحاول كل منها "طبع" بصمتها، ووضع تكويناتها، وتحديد "تشطيباتها" النهائية، بما يضمن لكل يد أن تظل حاضرة في كادر اللوحة. وما زاد من تزاحم الرسامين هو انطلاق الربيع العربي، لتكون الشعوب العربية إحدى هذه الأيدي في لحظة تاريخية نادرة الحدوث

الاثنين، 16-06-2014 الساعة 18:06


يتصف المشهد الإقليمي، اليوم، بالتشابك والتعقيد، كلوحة سوريالية امتدت إليها أياد كثيرة تحاول كل منها "طبع" بصمتها، ووضع تكويناتها، وتحديد "تشطيباتها" النهائية، بما يضمن لكل يد أن تظل حاضرة في كادر اللوحة. وما زاد من تزاحم الرسامين هو انطلاق الربيع العربي، لتكون الشعوب العربية إحدى هذه الأيدي في لحظة تاريخية نادرة الحدوث.

دول المنطقة العربية وغيرها (تركيا، إيران، إسرائيل)، فضلاً عن الدول الغربية، كل له مصالح، وأحياناً "مبادئ"، ويسعى كل منهم لتوجيه الأحداث نحو مصالحه وفق رؤيته وتصوره "لما يجب" أن تسفر عنه أكبر حركة تدافع شعبي في تاريخ الدول العربية المعاصر. ومما يؤسف له، أن بعضاً من هذه الدول، كإيران ونظام المالكي ونظام البعث في سورية، أراد أن يحسم خلافاته التاريخية على "صخرة الربيع العربي".

لذلك، دخلت دول المنطقة حالة من اللااستقرار والتجاذبات بصورة "انفعالية" أحياناً، وتسارعت الأحداث والتطورات بصورة دراماتيكية للسنة الرابعة على التوالي، بلا قدرة على التنبؤ حول ملامح ومآلات المنطقة سياسياً أو إستراتيجياً، ودون قدرة أي طرف إقليمي أو دولي على السيطرة على مسار الأحداث، فضلاً عن حسمها.

وفي هذه السنوات الأخيرة أيضاً، تغيرت أولويات واشنطن، وتبنت طهران خطاباً "إعلامياً" مناوراً يحظى بالقبول الدولي، وخرجت الخلافات الخليجية بشأن سياساتها الخارجية للعلن لأول مرة، وتعثر الربيع العربي: باستمرار مأساة الشعب السوري، وبانقلاب الثالث من يوليو 2013، وجمود عملية السلام..، بكلمة أخرى، لقد تغيرت البيئة الإستراتيجية على عموم المنطقة، وأصبح التعامل مع هذه المتغيرات أمراً لا مفر منه، ولا بد من "الاقتحام" وتبني نهج مغاير عن السابق.

المملكة العربية السعودية، اعتراها هذا التغير بصورة ملحوظة، حتى باتت دبلوماسيتها أكثر نشاطاً وفاعلية، وأخذت تتخلى عن دبلوماسيتها "الهادئة"، وتلقي بثقلها في ملفات منطقة تأبى الهدوء. فأن تقاطع الرياض الأمم المتحدة العام الماضي، وتلغي خطاباً سعودياً أمام الجمعية العامة، فهذا أمر يتجاوز "الحرد السياسي" إلى صورة احتجاج دبلوماسي لم يكسر الجمود فقط، وإنما حرك المياه الراكدة.

استمرت الرياض في توظيف قدراتها وقوتها "الناعمة" بصورة أكثر وضوحاً، سواء في الملف المصري والسوري أو في العراق وإيران ولبنان وفلسطين. غير أن تعقيد الملفات، وتعارض المصالح، والاختلاف على توصيف المجريات، وتباين الرؤى والتصورات بشأنها، لا يزال عائقاً موضوعياً أمام الرياض للمساهمة في تحديد معالم المنطقة في مستقبلها القريب نسبياً.

الرياض لها تصور بات اليوم أكثر تحديداً، وباتت تعبر عنه بصورة معلنة وتقوده بدل أن تقف خلفه فقط، وخاصة بعد الثالث من يوليو/ تموز الماضي. هذه الرؤية تشترك فيها الرياض وأبو ظبي بصورة عميقة، توجت بإعلان اللجنة السعودية الإماراتية الإستراتيجية الشهر الماضي، هذه اللجنة من المفترض أن تعبر عن وجهتي كتلة إقليمية يعاد إحياؤها، هي ما كان يسمى "دول الاعتدال"، بالاشتراك مع مصر. هذه الرؤية الخاصة بهذه اللجنة، تكاد تقتصر على التعامل مع متغير واحد من متغيرات المنطقة العديدة، وهو "الربيع العربي ومخرجاته، وإدارة ما بعده" للوصول إلى تحقيق رؤية هذه اللجنة.

هذه الرؤية، ليس سراً أنها تجد تبايناً واضحاً مع دول خليجية وعربية وإقليمية أخرى. غير أن الأمر الأكثر أهمية، هو أن تطورات العراق الأخيرة، التي سوقتها وسائل إعلام عربية ودولية على أنها سيطرة "تنظيم الدولة الإسلامية" على مدن عراقية، لها أساس من الاتفاق بين الرياض وسائر الدول الخليجية والعربية بصورة واضحة ومعلنة، على خلاف التباين في وجهات النظر الخليجية حول التعامل مع الربيع العربي بذاته.

الإمارات والبحرين والكويت بسطت مواقفها السياسية مما يجري في العراق خلال الساعات الأولى من المواجهة الأخيرة، وأدانت "سيطرة تنظيم الدولة على مدن عراقية"، وأدانت "الإرهاب". غير أن الرياض والدوحة كانتا أكثر روية وتأنياً ودراسة للموقف، حتى صدر عنهما موقف متقارب للغاية حول الشأن العراقي بالتحديد. ساعات قليلة فصلت بين موقفي الرياض والدوحة الرسميين، أشارتا فيه إلى عدم القناعة بأن تنظيماً مسلحاً يتألف من بضع مئات أو آلاف يهزم قوات الأمن والجيش العراقي. وحمّلت الدوحة والرياض نظام المالكي مسؤولية تدهور الوضع الأمني والسياسي للعراق نتيجة سياساته الطائفية الإقصائية.

السعودية كانت أكثر تفصيلاً في موقفها من أحداث المنطقة، في حين كانت الدوحة أكثر تحديداً في بسط موقفها من أحداث العراق وليبيا. فالأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق، شكك بقدرة "تنظيم الدولة" بمفرده على تحقيق التقدم الذي حققه، فالتقارير الإعلامية قالت إن عدد مقاتليه يتراوح بين 1500 و3000 فقط.

وتساءل دبلوماسي سعودي: كيف تم نقل معدات عسكرية عبر الحدود إلى داخل سورية، في حين أن قادة التنظيم يتوعدون بالزحف إلى بغداد لتصفية الحساب؟ وماذا يعني إعلان دمشق أنها وبغداد تقاتلان عدواً واحداً؟ ولماذا انهار الأمن العراقي على هذا النحو المريب مع أنه استطاع أن يصمد في سامراء للدفاع عن مرقدي الإمامين الشيعيين؟

أما الموقف القطري فقد أعلنت عنه وزارة الخارجية عبر صفحتها بتويتر، قائلة: "إن ما يحصل في العراق هو نتيجة عوامل سلبية تراكمت على مدى سنوات، وكان أبرزها انتهاج السياسات الفئوية الضيقة والتهميش والإقصاء". وتابعت: "نشعر بالقلق الشديد من الأحداث والتطورات الأمنية الجارية في العراق". وفي الشأن الليبي، طالبت الخارجية القطرية بضرورة إيجاد حل في ليبيا ولو أدى ذلك إلى اللجوء إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يلزم الأطراف الليبية كافة بالحوار.

​تتفق الرياض والدوحة على ضرورة تنحي الأسد والمالكي، وانتهاء سياسة الإقصاء والتهميش الطائفي، وإقامة حوار في ليبيا ومصر بين جميع الفرقاء الوطنيين، بدون إقصاء أو إلغاء، وضرورة استكمال المفاوضات الإيرانية مع الدول (5+1)، ووقف سياسة التدخل والتوتير الإيراني في لبنان واليمن وسورية والعراق، ووقف مخططات نشر التشيع في بلاد المغرب العربي. وتتفق السعودية وقطر أيضاً، على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية، وتطبيق مبادرة السلام العربية، وفق مقاربة الدولتين في فهم ما يجري بالمنطقة، ومراعاة حساسايات المكون الجغرافي والديمغرافي للمنطقة، وتصور الحلول "المناسبة".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة