الموصل.. الحرب القذرة

وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش حرب الموصل بالحرب القذرة.

الأحد، 02-04-2017 الساعة 22:09

لم أستغرب و لم أتفاجأ من وصف منظمة هيومن رايتس ووتش لحرب الموصل بالحرب القذرة، بل أن هذا الوصف هو أقل ما يجب أن توصف فيه هذه الحرب التي سلطت على المدنيين الأبرياء الذين وقعوا بين مطرقة القوات الحكومية والتحالف الدولي والمليشيات، وبين سندان تنظيم داعش الذين جعلوا من المدنيين وقوداً لحربهم التي فتكت بالمدنيين الأبرياء الذين قعوا ضحية هذه الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

 

فمنذ أكثر من 160 يوماً من حرب على الموصل حدثت مآس لم تحدث في أي حرب من قبل، فعشرات العوائل أبيدت بالكامل وحولت منازلهم لقبور لهم، ففي الساحل الأيسر لمدينة الموصل صدرت إحصائية غير كاملة عن إبادة 65 عائلة فقط بأيسر الموصل، وعشرات الآلاف من الجرحى والشهداء من المدنيين أغلبهم نساء وأطفال سقطوا في القصف المدفعي والجوي للقوات الحكومية والتحالف الدولي، والذين يبررون قتلهم للمدنيين دائماً بأنه عن طريق الخطأ، لكن تكرار القصف يستهدف المدنيين يثبت بأنه متعمد وليس عن طريق الخطأ، فما حدث كان مئات المرات وليس مرة واحدة أو اثنتين لكي تبرر بأخطاء، ومن سقط فيها الآلاف من الجرحى والشهداء.

 

أما الساحل الأيمن لمدينة الموصل فهو الأكثر دموية، فقد أحصي خلال ثلاث أسابيع من الهجوم على الساحل الأيمن سقوط أكثر من 3500 شهيد مدني حسب المرصد العراقي لحقوق الإنسان، فقد سجل منذ بدأ الهجوم على أيمن الموصل يومياً مجزرة تحل بالمدنيين الأبرياء الذين أصبحت منازلهم قبوراً لهم بعدما وقعوا بين مطرقة قوات المهاجمة وتنظيم داعش، فكلا طرفي الحرب أفتك بالمدنيين ولم يكترث لما يحل بأكثر من نصف مليون مدني محاصر في أيمن الموصل، حسب الإحصائيات.

 

ومن ينجو من الموت بالقصف لم ينج من الموت جوعاً، ففي شهر كانون الأول وكانون الثاني وشباط أحصي وفاة 500 مواطن في كلا الساحلين الأيمن والأيسر بسبب الجوع وانعدام الدواء، وأغلب الضحايا هم أطفال وكبار السن جراء الحصار المطبق على المدينة، ومنع دخول المواد الغذائية والطبية لها.

 

مصادر من داخل مدينة الموصل تؤكد أن جثث المدنيين الأبرياء بالمئات تحت الأنقاض، جراء القصف العنيف والمكثف العشوائي الذي يستهدف منازل المدنيين، وتؤكد هذه المصادر أن في المدينة القديمة سقطت العديد من المنازل على سكانها جراء القصف المكثف الذي أباد عوائل محاصرة بأكملها، وبعضها لم يتمكن أحد من إخراج جثث الشهداء بل بقيت تحت ركام المنازل، ففي 15 من آذار/مارس صرحت بسمة بسيم رئيسة مجلس قضاء الموصل (أنهم في يوم واحد استخرجوا من تحت ركام أحد المنازل 22 جثة، وما أن تم الانتهاء من المنزل الأول حتى وجدوا منزلاً آخر مدمراً وجدوا تحته 15 جثة. وقالت أيضاً إن القصف العنيف هدم العديد من المنازل على رؤوس سكانها المحاصرين).

 

أما جرائم التعذيب لشباب ورجال الموصل الذين وقعوا في قبضة القوات المهاجمة فهي الأفظع على مر التاريخ، فقد أظهرت عدة تسجيلات فيديو عناصر مليشيا الحشد وهم يقومون بعمليات إعدام ميداني لمجموعة من المدنيين بعدما فصلتهم عن عوائلهم، وكذلك ظهر فيديو لمجموعة من جنود الجيش الحكومي وهم يحفرون قبراً لأحد المدنيين، ومن ثم قاموا بوضعه في القبر وإطلاق الرصاص عليه بغزارة، ولم تكتف القوات المهاجمة بهذه الجرائم، بل هناك الكثير من مقاطع الفيديو أظهرت القوات الحكومية ومليشيا الحشد وهم يهينون المواطنين كإجبارهم أحد الشباب على الجري وتقليد صوت الكلاب، وكذلك وضح الحبل في رقبة أحد الشباب وجره في الشارع، والكثير من الجرائم التي لا تحصى ولا تعد.

 

و رغم حديث العبادي المتكرر عن وجود ممرات آمنة لخروج المدنيين، أثبت العديد من المدنيين أنه لا توجد أي ممرات آمنة للخروج من المدينة، وأن طريق النزوح مليء بالموت وإن نجوت من القصف قد لا تنجو في طريق نزوحك من داخل المدينة إلى خارجها، فالرصاص والقذائف والصواريخ التي تسقط بغزارة بشكل عشوائي على المدينة حصد عدداً من المدنيين الأبرياء وهم في طريق نزوحهم، ففي 26 آذار جرح و استشهد 100 مدني بعد وقوعهم في حقل ألغام زرعه تنظيم داعش على أطراف المدينة.

 

أما الأوضاع في مخيمات النزوح فلا يختلف عن الوضع داخل الموصل إلا أنها لا يوجد فيها قصف ولا معارك، فالجوع و نقص الدواء و غياب المساعدات ومحاصرة النازحين في المخيمات جعلها عبارة عن سجون في الهواء الطلق، فرغم حديث الحكومة قبل بدء الهجوم على الموصل بأنها تتوقع نزوح مليون مواطن إلا أنها لم توفر لهم المواد الغذائية الكافية ولا المواد الطبية ولا الخيام، فأغلب النازحين هم اليوم يعيشون أوضاعاً مأساوية جراء البرد الشديد وسقوط المطر والجوع وغياب الرعاية الصحية الذي تسبب بانتشار بعض الأمراض بين النازحين خصوصاً الأمراض الجلدية.

 

إن حرب الموصل هي أقذر ممّا يتوقعه البعيدون عنها، فكلا طرفي الصراع صب جل غضبه على المدنيين واستخدمهم كوقود لحربه والمتاجرة بهم بنفس الوقت، لكن جرائمهم لا تغتفر ولا تحجب، والمجتمع الدولي كله يتحمل مسؤولية هذه الجرائم وفي طليعتهم أمريكا التي تقود التحالف الدولي الذي ارتكب عدة مجازر بحق المدنيين الأبرياء، فخلال يومي 20 و21 آذار الجاري استشهد وجرح نحو 100 مدني بقصف جوي للتحالف الدولي والطيران الحكومي وكذلك القصف المدفعي.

 

فما يحدث في الموصل جرائم حرب يندى لها جبين الإنسانية، وإنها أبشع جرائم القرن الواحد والعشرين، فقد صم العالم آذانه عن سماع صرخاتنا لإنقاذ المدنيين ووقف القصف العشوائي، وكذلك عصب عينيه عن مشاهدة صورة طفلة ممزقة جثتها تخرج من تحت أنقاض المنازل، فمثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم طال الزمن أم قصر، وإن مرتكبي الجريمة سيدفعون ثمن إجرامهم فكلا الطرفين يدعي التحرير ولم نره أبداً، بل نرى الموت والدمار في كل ركن وشبر في الموصل الجريحة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة