الموصل.. شرارة المستقبل؟

على أعتاب الموصل يقف نظام عالمي جديد لم يتشكل بعد ولكنه يطل برأسه مع تغير موازين القوى عالمياً.

الثلاثاء، 01-11-2016 الساعة 12:55


على أعتاب الموصل وفي أطرافها تقف قوى مختلفة ومتخالفة، في الظاهر تأتي هذه القوى لهدف واحد وهو هزيمة تنظيم الدولة، الكيان الذي يدعي الجميع عداوته، وفي الباطن تتضارب المصالح والأجندات والمشاريع الإقليمية والعالمية في مهمة عسكرية محدودة النطاق وواسعة الأفق، العملية تأخرت كثيراً نتيجة الصراع بين الأطراف المختلفة حول طبيعة العملية، إيران أرادتها عملية عراقية أمريكية تشارك هي فيها من خلال مليشياتها النشطة في العراق، وتركيا أرادتها عملية مشتركة يكون لقوات الحشد العشائري التي دربتها دور أساسي إلى جوار البشمركة والقوات العراقية مع استبعاد المليشيات، والولايات المتحدة انحازت في النهاية للمطالب الإيرانية معطيةً الحكومة العراقية والمليشيات الدور الرئيسي إلى جوار قواتها، في مقابل ذلك عززت تركيا دعمها للثوار في سوريا وتوعدت بأن يكون لها "رد مختلف" لو ثبت قيام المليشيات المدعومة إيرانياً بأعمال إجرامية كتلك التي قاموا فيها سابقاً بحق المواطنين السُّنَّة في مواقع مختلفة من العراق، وفي تلك الأثناء أشار أحد المتحدثين باسم الحشد إلى استعداده لخوض معارك ضد الإرهابيين في سوريا، وما لبث أن تراجع الحشد عن هذا التصريح، خاصة بعد التهديد التركي بالتدخل لحماية التركمان في تلعفر من قوات الحشد التي اشتبكت مع تنظيم الدولة هناك.

على أعتاب الموصل يقف نظام عالمي جديد، لم يتشكل بعد ولكنه يطل برأسه مع تغير موازين القوى عالمياً؛ روسيا عادت إلى المنطقة بقوة، تركيا لم تعد شرطياً أمريكياً وأصبحت تتصرف بمعزل عن الإرادة الأمريكية تماماً، والعالم العربي يشهد تغيراً محورياً في تعامله مع أزماته الداخلية، والولايات المتحدة تعاني من وهَن غير مبرر بسبب سياسات إدارة أوباما المترددة في المنطقة، وفوق هذا كله يتربع الشبح الإيراني الذي يحلم بمنطقة من الفوضى التي يديرها هو كما يقول الدكتور محجوب الزويري الخبير في الشأن الإيراني، فإيران حسب تحليله لا تطمح إلى بناء دولة كبرى لها في المنطقة بقدر ما تطمح إلى فرض حالة عامة من الضعف والفوضى من حولها، بحيث تكون لها اليد الطولى في إدارة الشأن الإقليمي، هذا استوجب استجابة وإن كانت متأخرة من بقية اللاعبين في المنطقة، وخاصة بعد نجاح الإيرانيين في ترويض قطب العالم الأوحد، والاستفادة من النفوذ الروسي في التوسع بمشروعهم في المنطقة، اليوم تأتي الموصل لتكون أول مواجهة حقيقية ومباشرة بين المشروع الإيراني وردة الفعل عليه، صحيح أن الحالة السورية كانت ساحة مواجهة، ولكنها لم تكن بمثل هذا المستوى من التوتر بين الأطراف المختلفة، الموصل اليوم ربما تشهد مواجهة عسكرية في لحظة معينة بين قوات مدربة إيرانيّاً وأخرى مدربة تركيّاً في حال لم تستطع الولايات المتحدة احتواء الأزمة، والسماح لقوات الحشد الشيعية بدخول بعض المناطق المحررة ورفع أعلام طائفية فيها دليل على أن الأزمة لن تنتهي قريباً.

الأتراك والذين كانوا يطمحون لدور أكبر في الموصل ليضاف إلى عملية درع الفرات محبطون اليوم من الانحياز الأمريكي الصريح لإيران ووكلائها في العراق، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تقارب أكبر بين الروس والأتراك على حساب الولايات المتحدة التي يبدو أنها لم تُبْقِ لها حليفاً إلا ونفَّرَته بممارساتها التي لا يستفيد منها إلا النظام الإيراني، والأتراك اليوم يعرفون أن الولايات المتحدة لم تَعُدْ خياراً وحيداً، وأن موقع تركيا عالمياً من الناحية السياسية أو الاقتصادية لم يعد رهناً للنفوذ الأمريكي؛ لذلك لن يتورع الأتراك في التوسع بمشروعهم بالتنسيق مع الروس في المنطقة، والتراجع الروسي عن دعم قوات النظام في حلب جوياً خلال معركة تحريرها التي تخوضها قوات المعارضة دليل واضح على تنسيق تركي روسي حتى على حساب النظام الذي تحارب روسيا للإبقاء عليه.

لا شك أن هناك احتمالية أن تنتهي معركة الموصل بحالة تعادل سلبي بين الأطراف من خلال موازنات تقودها الولايات المتحدة، ولكن الاحتمال الأكبر هو أن تكون الموصل شرارة لما هو أكبر ودافعاً جديداً للقوى التي بدأت تنسق لصد المشروع الإيراني للتحرك بشكل أكبر وأكثر تنسيقاً، في إطار هذا كله سيستقبل البيت الأبيض ساكنه الجديد يناير المقبل والذي تشير غالب الاستطلاعات أنها ستكون هيلاري كلينتون، وإن صدقت الاستطلاعات فإن رؤية كلينتون للمنطقة ليست متوافقة مع سلفها بالضرورة، هي أقل قرباً من إيران وأكثر بُعداً من تركيا ولديها استعداد أكبر لدور على الأرض لصالح نفوذ بلادها في المنطقة، هذه الشهور القادمة ستشهد تغيرات عنيفة على الساحة، جزء من ذلك ربما يكون اقتراب حروب الوكالة من نهايتها، ربما يفضي ذلك إلى استقرار نسبي أو إلى موجهات مباشرة بين الأنداد، فإن كان ذلك، فالشرارة اليوم تتقد في الموصل.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة