الموقف الأمريكي من عملية السلام الداخلي في تركيا

قرار حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من مفاوضات السلام ليس قراراً كردياً مستقلاً، وإنما كان الحزب متحالفاً مع الكيان الموازي داخل تركيا وخارجها.

الأربعاء، 04-05-2016 الساعة 21:29


طالبت أمريكا الحكومة التركية بالعودة إلى المفاوضات السياسية مع حزب العمال الكردستاني، والتي توقفت من طرف حزب العمال الكردستاني بعد انتخابات 7 يونيو/حزيران 2015، والتي كان يمثلها فيه نواب من الأكراد في البرلمان التركي، وقد جاء التوقف بعد أن أحرزت تلك المفاوضات تقدماً جيداً في السنتين السابقتين، وكان من المأمول أن تكون نتائج انتخابات 7 يونيو/حزيران 2015 عاملاً إيجابياً في مواصلتها ونجاحها، لو أن نواب حزب الشعوب الديمقراطي وقيادة الحزب استفادت من نتائج تلك الانتخابات التي، لأول مرة في تاريخ الجمهورية، أدخلت نواباً من حزب كردي في مجلس النواب التركي، وبذلك كان بإمكان حزب الشعوب الديمقراطي أن يشارك حزب العدالة والتنمية في تشكيل أول حكومة من نوعها، في تشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب التركية في السلطة والمعارضة؛ لإنجاح العملية السلمية الداخلية، وكان بإمكان الحزب الاستفادة من نتائج تلك الانتخابات وتشكيل الحكومة الائتلافية في صياغة دستور جديد يثبت حقوق كافة القوميات التركية.

ولكن توجه حزب الشعوب الديمقراطي كان مخالفاً لهذه التوقعات، فالتزم بقرارات حزب العمال الكردستاني بتعليق المفاوضات مع الحكومة التركية أولاً، وخضع لأوامر جميل باييك، زعيم حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق، وهذه القيادة خاضعة للنفوذ الإيراني والحرس الثوري الإيراني وتحت وصاية سياسية أمريكية، ضمن تفاهمات امريكا وإيران في حكم العراق منذ عام 2003، وهذا يعني أن مواقف قيادة حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل ليست حرة أيضاً، وتخضع للضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية والإيرانية، ولذلك ينبغي قراءة الدعوة الأمريكية للحكومة التركية بالعودة إلى المفاوضات مع حزب العمال الكردستناني على أنها الوجه الآخر للسياسة الأمريكية في التعامل مع الحكومة التركية وتدخلها في المسألة الكردية في تركيا.

بداية لا يمكن اعتبار قرار حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من مفاوضات السلام مع الحكومة التركية على أنه قرار كردي مستقل؛ لأن الحملة العدوانية التي شنت على تركيا وليس على حكومة حزب العدالة والتنمية بعد 7 يونيو/حزيران 2015 لم تكن من حزب العمال الكردستاني فقط، وإنما كانت متحالفة مع الكيان الموازي داخل تركيا وخارجها، ومتحالفة مع أحزاب المعارضة التركية وبالأخص مع حزب الشعب الجمهوري، والأخطر من ذلك أنها تحالفت مع الجماعات الأرمنية المعادية لتركيا في أوروبا وأمريكا، بل ومتحالفة مع أجهزة استخبارات دولية معادية لتركيا بما فيها المخابرات الإسرائيلية، التي تمثل العقل المدبر لسياسة حزب العمال الكردستاني في تركيا والمنطقة، فهذا التحالف أو التعاون هو الذي كان وراء انسحاب حزب العمال الكردستاني من مباحثات السلام الداخلية أولاً، وذلك بهدف استغلال ما ظنته تلك الأطراف تراجعاً لشعبية حزب العدالة والتنمية في انتخابات 7 يونيو/حزيران البرلمانية، وبالتالي بهدف محاولة إسقاط حكومته، فكان رفض المشاركة في حكومة ائتلافة أولاً، ثم الانسحاب من مفاوضات السلام الداخلي ثانياً، وشنها لعمليات إرهابية قتلت المئات من المواطنين الأتراك المدنيين والعسكرين ثالثاً، فالهدف الأمريكي هو محاولة الضغط الداخلي والخارجي لتغيير القيادة السياسية في تركيا، وهو ما يفسر التصريحات السياسية اللاحقة من السفير الأمريكي في تركيا، إلى تصريحات أحد النواب في الكونغرس الأمريكي ضد تركيا أيضاً، بل وتصريحات معادية لرئيس الجمهورية التركية أردوغان نسبت للرئيس الأمريكي أوباما، وإن لم يصرح بها علانية، ولكنه كرر بعض معانيها في قمته مع بعض زعماء الدول الأوروبية في هانوفر الألمانية قبل أسبوعين، غمز بها بالديمقراطية التركية.

هذا يؤكد أن الدعوة الأمريكية للحكومة التركية بالعودة إلى المفاوضات السلمية غير صادقة ولا بريئة، لأن أمريكا تدرك أن الجانب الكردي وبالأخص حزب الشعوب الديمقراطي وقيادته المشتركة من صلاح الدين ديمرطاش و"فيغان يوكسك داغ" لا يملكان قرار التفاوض ولا التوقيع على أي اتفاق لا يوافق عليه حزب العمال الكردستاني، فهما ضحية هيمنة قيادة قنديل عليهما، بدليل عدم استثمار الحزب نتائج انتخابات 7 يونيو/حزيران التي منحت حزب الشعوب الديمقراطي ثمانين نائباً في البرلمان التركي، وحرمت في نفس الوقت حزب العدالة والتنمية تشكيل الحكومة التركية منفرداً، فبدل أن يستفيد حزب الشعوب الديمقراطي من هذا الثقل البرلماني انصاع لأوامر قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل لإشعال البلاد بالفوضى والاحتجاجات والأعمال الإرهابية، من اغتيال رجال الأمن التركي ومهاجمة المقرات الأمنية والحكومية، بل ومهاجمة قوات الدرك والجيش التركي بهجمات إرهابية، لإظهار الحكومة التركية عاجزة عن ضبط الأمن في تركيا، وبالتالي فرض تدخل الجيش التركي لضبط الأمن وإلغاء وجود حزب العدالة والتنمية في إدارة الحكومة الانتقالية، بل وتغيير رئيس الجمهورية أردوغان إن أمكنهم ذلك.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد في أكثر من مناسبة امتعاضه من السياسة الأمريكية نحو تركيا، وبالأخص في دعم أمريكا للأحزاب الكردية التي تناصب تركيا العداء، وقد امتعض أردوغان من عدم تقديم الدول الغربية السلاح لتركيا، بحجة وجود مشاكل في جنوب شرق تركيا، بينما تقدم هذه الدول الأسلحة للأحزاب الإرهابية في سوريا رغم استمرارية تدهور الأوضاع هناك، ومن أهم الأسلحة التي تمتنع أمريكا عن تزويدها لتركيا هي طائرات بدون طيار؛ لأنها تريد أن تحرم الجيش التركي من مراقبة تحركات الأحزاب الإرهابية في المنطقة، وبالتالي حرمان تركيا من النجاح في مواجهة الأحزاب الإرهابية، فأمريكا ترفض وقف دعم حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا وذراعه العسكري وحدات حماية الشعب، وهي تعلم أنهما جناحان تابعان لحزب العمال الكردستاني، الذي تصفه أمريكا بالإرهابي وحده، فكيف يكون الأصل إرهابياً، والفرع ليس إرهابياً؟

لقد استلمت أمريكا أكثر من جواب من الشعب التركي وحكومته في رفضها السياسة الأمريكية المنحازة للأحزاب الكردية الإرهابية، فكانت انتخابات الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2015، رسالة لأمريكا وكل الأطراف التي تعادي إرادة الشعب التركي، وتريد حرمانه من حكم حزب العدالة والتنمية، حتى لو كان هو اختيار الشعب التركي في الانتخابات البرلمانية الحرة، والرسالة الثانية التي أرسلها الشعب التركي إلى أمريكا لكي تفهم خطأها في التعامل مع تركيا هو رفض الشعب التركي بكل قومياته وفي مقدمتهم الشعب الكردي في تركيا مشاركة الأحزاب الإرهابية في مشاريعها التخريبية داخل تركيا، وبالأخص في جنوب شرق تركيا، حيث يكثر التواجد السكاني للأكراد هناك، وهذا يعني أن الأكراد في تركيا واعون ومدركون بشكل جيد للمخططات العدوانية ضد دولتهم تركيا، وأن الأحزاب الكردية التي تدعي تمثيل القضية الكردية ما هي إلا أدوات بيد أمريكا والدول الأوروبية وإسرائيل، بدليل أن هذه الدول هي التي تمد الأحزاب الإرهابية مثل حزب العمال الكردستاني وفروعه في سوريا والعراق بالمال والسلاح والتأييد السياسي في المحافل الدولية؛ بهدف ضرب تماسك المجتمع التركي، وإضعاف اقتصاده الذي تفوق على الكثير من اقتصاديات الدول الأوروبية نفسها، كما تستخدمها في سوريا لتفتيت المجتمع السوري وتقسيم سوريا.

إن الرسالة الثانية التي أرسلها الأتراك الكرد لا تقل أهمية عن الرسالة الأولى، فهي إذ ترفض دعوات حزب العمال الكردستاني الإرهابي، وترفض دعوات حزب الشعوب الديمقراطي للحكم الذاتي، ولا تشاركهما في بناء المتاريس ولا الدفاع عنها، بل وتقف إلى جانب أجهزة الدولة الأمنية في هدم هذه المتاريس وردم الخنادق، فإنهم يعبرون عن وعي كامل بأن هذه المشاريع الانفصالية هي مشاريع عدوانية ضارة بالدولة التركية ومجتمعها المتماسك، وضد مصالح شعبها من كل القوميات والإثنيات والطوائف، وأنها ليست إلا خطوات ابتدائية بأيدي المخططات الغربية لتحويل المجتمع التركي إلى سوريا ثانية، يقتل الشعب بعضه بعضاً، وتدمر كل شيء، بحجة حماية الأكراد أو العلويين أو غيرهم، بينما هم أدوات بيد التخريب الدولي كما حصل في العراق وسوريا واليمن وغيرها، فدعم الأحزاب الإرهابية ليست محبة بها وإنما لاستخدامها قنابل موقوتة فقط.

إن مصداقية أمريكا في الرغبة لعودة عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني أو فرعه السياسي حزب الشعوب الديمقراطي مع الحكومة التركية هي رهن وقف الدعم العسكري الأمريكي لهذه الأحزاب وفروعها المسلحة داخل تركيا وفي سوريا أيضاً، والتي تقوم بتهريب الأسلحة إلى داخل تركيا أولاً، والمصداقية الأخرى هي مطالبة أمريكا حزب العمال الكردستاني بوقف الأعمال الإرهابية داخل تركيا ثانياً، وإعلان حزب العمال الكردستاني عن تخليه عن السلاح داخل تركيا ثالثاً، وإعلانه عن رفضه للحكم الذاتي رابعاً، والالتزام بالمفاوضات السياسية طريقاً وحيداً في تحقيق عملية السلام الداخلي رابعاً، وإلا فلا معنى لمطالب العودة إلى التفاوض السياسي بينما حزب العمال الكردستاني يمارس الإرهاب ضد الشعب التركي، فالمطالبة الأمريكية بالحل السلمي مع استمرار الأعمال الإرهابية هي دعم للإرهاب ومشاركة له في قتل أبناء الشعب التركي.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة