النخبة وأزماتها

لا يتقدم مجتمع دون نهوض صفوته بمسؤولياتها وإن تهاوى حال أمّة فقد ينعقد السرّ في صفوة مترهلة أو نُخبة متقاعسة.

الجمعة، 24-04-2015 الساعة 10:41


لكل مجتمع صفوته أو نُخبته، وفيها يتركز العلم أو تتجمّع الثروة أو يتعاظم النفوذ. ولا يتقدم مجتمع دون نهوض صفوته بمسؤولياتها، وإن تهاوى حال أمّة فقد ينعقد السرّ في صفوة مترهلة أو نُخبة متقاعسة.

تتفاقم معضلة النخبة عندما تأنس بالأبراج العاجية، أو تنقطع عن مجتمعها وأمّتها وعالمها، فيثير المثقفون زوابعهم في الأروقة الموصدة عليهم بإحكام، ويستسلم الشعراء لأعطيات تصادر إبداعهم وتُهيْمن على نتاجهم، ويقبل الأدباء بزاويا هنا أو هناك تعزلهم عن حركة المجتمع والأمة والعالم؛ مهما ألّفوا من قصائد ومعلّقات.

قد يرضى الأكاديميون بوظائف طمحوا إليها فيلتزمون بالواقع ولا يسعون إلى تطويره، وتؤْذِن درجاتهم بالقناعة بما تمّ إنجازه والقعود عن المتابعة، فتعثُر العين الفاحصة على مظاهر الاجترار في نتاجهم والتكرار في أدائهم. وقد يشيح أهل العلم والحكمة بوجوههم بعيداً عن معضلاتٍ في الواقع، فيتبيّن أنهم جزء منه أو ضالعون في ملابساته. وقد يدفع الأغنياء بثرواتهم إلى وجهات شتى حول العالم، فيصرفونها عن محاولات واعدة من حولهم تملك الفكرة والإرادة وتعوزها الأموال والقدرات.

قد لا تدرك النخبة فرصتها، أو لا تحتمل الأعباء والضرائب المترتبة على القيام بالواجب وإبداء الموقف. أو لعلّها اعتادت مسلك التواكل؛ فالحاكم والحكومة يتصرّفان عن الأمّة، ويفكِّران بالنيابة عن المجتمع. وقد يطيب لأهل الفكر والنظر الانخراط في طوابير منضبطة، رجاء المكافأة أو مخافة العقاب، فقواعد اللعب واضحة وحدود التصرّف معروفة. ويزهد أحدهم بما لديه من رأي وتقدير؛ إذ لا يجد آذاناً له تسمع أو منابر عبرها يتحدّث، فلا يرى سبيلاً لكبح المآلات أو التأثير في المصائر.

تداهم التحولاتُ المجتمعَ ولا تستفيق النخبة في غالبها إلاّ متأخرة، فتتحوّل بهذا من وظيفة الاستشراف والاستباق والتهيّؤ إلى مواقع المراقبة والتحليل والتفسير؛ بعد أن تقع الوقائع وتستجدّ الحقائق وتطير الطيور بأرزاقها. وقد تلتحق الصفوة بالقاطرة وتنخرط مع الجمهرة بانصياع ، فتباشر الهتاف والتصفيق بدل الإشارة إلى الوجهة وحمل الألوية وقيادة الركب.

وتظلّ أطيافٌ من النخبة مسكونة بهمومها الذاتية، فينغلق بعض أفرادها على أنفسهم، وقد يكون أقصى ما يشغل أحدهم تحقيق ذاته وتلميع صورته، وأن يعلوَ اسمُه ويُعرَف رسمُه.

هي أعراضٌ تخالج النخبة وإن لم يصحّ تعميمها، على أنّ تنمية البلدان والنهوض بالمجتمعات لا يسعهما إغفال الصفوة واستنهاضها من كبواتها.

ومن القسط القول أنّ بعضهم يطيب له إبقاء النخبة في أبراجها العاجية أو عزلتها الاختيارية أو رهبنتها الوظيفية، على أمل أن تبقى الأوضاع على حالها، وتظلّ المجتمعات في رقادها. وفي هذا ما يسائل الموقف العام نحو الصفوة عندما تلقى التجاهل والإعراض أو النبذ والإقصاء.

على أنّ النخبة معنيّة باستنهاض واقعها وتطوير عطائها وتصويب وجهتها، وأن تمسك بزمام المبادرة بدل أن يقبض الفاعلون على خطامها مع الركب. ويبقى السؤال المشروع قائماً: ما حاجة المجتمعات بصفوة مسكونة بالهواجس، قاعدة عن الدور، متواكلة في الأداء، قد لا تحرِّك ساكناً ولا تسكِّن متحركاً؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة