النفاق الليبرالي العابر للقارات !

الليبرالجيون العرب يدافعون عن حق المرأة في العري، ولكنهم يهاجمون من تريد أن تتحجّب أو تلبس النقاب والقفازات.

الجمعة، 19-06-2015 الساعة 11:10


النفاق الليبرالي في العالم العربي بلغ ذروته، حيث أنه كل من يتحدّث عن الشيعة يتّهم بالطائفية، ولكن ما يفعله الشيعة عبر مليشياتهم الإرهابية في سوريا والعراق واليمن ولبنان والأحواز يغضّ الليبرالجيون الطرف عنه، بل يبرّرونه أحياناً بالحرب على الإرهاب أو المقاومة المزعومة.

رغم أن الأمر وصل حد ذبح الأطفال الرضّع بسكاكين منحوت عليها "يا حسين"، ومليشيات إيران ترفع شعارات عن ما يسمونها "ثارات الحسين"، "زينب لا تسبى مرتين"، ولا أحد يتحدّث عن طائفيتهم المقيتة، في حين أنه لما يأتي ثائر سوري ويرفع لافتة ذكر فيها أهل السنّة الذين يبادون فهو طائفي إن لم يتّهم بالإرهاب.

الليبرالجيون العرب لا يتركون فرصة إلا ويتحدّثون فيها عن حق المرأة في قيادة السيارة بالسعودية، وطبعاً هذا أمر مشروع ولست ممّن يناهضه، ولكنهم يتغاضون تماماً عن ظاهرة التجارة بالرقيق الأبيض في إيران، عبر ما يسمّى زواج المتعة، والتي يجبر فيها رجال الدين البنات على ممارسة ذلك رغم كراهية الكثيرات بأن يتحوّلن إلى مجرد بضاعة لدى مكتب "مرجع" يتصرّف فيها كما يحلو له، وبما لا يرضاه لبناته أصلاً.

الليبرالجيون العرب يدافعون عن حق المرأة في العري، ولكنهم يهاجمون من تريد أن تتحجّب أو تلبس النقاب والقفازات. يدافعون عمّا يسمّونه بحقها في الحرية وإن كان مجرد تمرّد على أهلها وتقاليد عائلتها وولي أمرها، ويشيدون بها ويصفونها بالمتنوّرة ويرشّحونها لجوائز عالمية، لكن تلك التي تحافظ على القيم الإسلامية والأخلاقية وتدافع عنها فهي رجعية ومتخلفة وظلامية، وربما لا تستحق الحياة عند بعضهم!

يطالب الليبرالجيون العرب بأن تسمح السعودية للنساء بالتبرّج ونزع الحجاب لأنه حق تكفله القوانين الدولية حتى إن تعارض مع قوانينها المستمدّة من الشريعة الإسلامية، ولكنهم لا ينتقدون فرنسا التي تحظر النقاب وتمنع الخمار في المدارس وأماكن العمل الرسمية، وكأن الاحتشام جريمة والعري حق مشروع، أما الحقوق والحريات فهي تتجزأ حسب مصالح فئوية وإيديولوجية وحزبية في منطق هؤلاء!

تناقضات الليبرالجيين العرب ليست هذه فقط، بل كثيراً ما يتحدّثون عن حماية الأقليات، ففي سوريا اصطف كثيرهم مع نظام السفاح بشار الأسد وهو من الأقلية النصيرية التي سماها الاستعمار الفرنسي "العلوية"، وذلك تحت مسميات مختلفة من بينها حماية الأقليات، وطالما تحدثوا عن الأقليات الشيعية في السعودية، بل بينهم من يثيرون قضية الأقليات من الديانات الأخرى التي لا تملك معابدها في بلاد الحرمين.

لكنهم في المقابل يتجاهلون حقوق الأقليات في إيران، وبالتحديد الأقلية السنّية التي تبلغ حوالي 20 مليون نسمة حسب أرقام غير رسمية، والتي لا تملك في طهران – مثلاً- مسجداً واحداً رغم أنه يتواجد بها أكثر من مليون سنّي حسب أرقام متداولة من مصادر خبيرة بالشأن الإيراني.

في حين توجد العشرات من المعابد للأقلية اليهودية التي عددها حوالي 25 ألف نسمة في كل إيران، وأيضاً الزرادشت والمسيحيين. والأخطر من كل ذلك، أن الأقلية السنّية تقتل وتعلق بالمشانق، وهو ما نراه في الأحواز المحتلة.

فضلاً عن معاناة العرب والأكراد والبلوش والتركمان وغيرهم من ظلم واضطهاد، وصل حد السجون والتعذيب والإعدامات، والقتل على الهوية والاغتيالات الغامضة لكل من يطالب بحقوق الأقليات أو تقرير مصيرها.

الليبرالجيون العرب أيضاً تجدهم يتحدّثون عن الأغلبية لما تكون في صالح الشيعة، مثل العراق رغم أن الأرقام الصحيحة تقول أن الشيعة ليست أغلبية، وأيضاً في البحرين حيث يوجد عدد كبير من الشيعة، ولهذا نرى الليبرالجيين العرب يتحدّثون عن حق الأغلبية في الحكم من خلال الديمقراطية.

لكن الأغلبية السنّية التي تتعرض لحرب إبادة في سوريا فلا يتحدّثون عنها مطلقاً بل يدافعون عن المجرمين، وهكذا حيثما تكون الأغلبية شيعية تجدهم ينافحون عن الديمقراطية التي تعني حكم الأغلبية، وحيثما تكون الأقلية الشيعية تراهم يدافعون عن حقوق الأقليات، وهذه قمة النفاق الليبرالجي في العالم العربي وحتى الغربي أيضاً.

الليبرالجيون العرب يقيمون الدنيا لرائف بدوي في السعودية، ويتهمون السلطات بالاستبداد وكبح الحريات وتكميم الأفواه رغم أنه طعن في الدين ونبي الإسلام حسب ما يتهم به، في حين لم نسمع كلمة واحدة منهم عن الشاعر الأحوازي الذي شنقته إيران مطلع العام الجاري 2015، بسبب قصائده المناهضة للاحتلال الفارسي لدولته العربية.

الليبرالجيون العرب يدافعون عن كل من يطعن في الدين الإسلامي سواء من الملحدين أو الشيعة أو غيرهم، حيث رأيناهم يصطفّون مع صحافي جزائري يدعى كمال داوود طعن في الذات الإلهية، ويدافعون عن جزائري آخر يدعى رشيد بوجدرة أعلن عن إلحاده وتطاول على الرسول الكريم في برنامج تلفزيوني، يفعلون ذلك بحجة حق المواطنين في التعبير وحرية التديّن، لكنهم للحق نفسه لا يدافعون عن علي بن حاج الذي يتعرض للتضييق منذ سنوات، ويوجد من يقبعون في السجون من الصحافيين مثل عبد السميع عبد الحي أو من الناشطين المناهضين للفساد مثل رشيد عوين وغيرهم.

أعرف ليبرالجيين من العرب يعيشون في الشرق والغرب، يدافعون عن حرية المرأة في العري والاختلاط وحتى الدعارة للأسف الشديد، ولكنهم في حياتهم الخاصة يرفضون ذلك بالنسبة لزوجاتهم وبناتهم وقريباتهم، وأذكر في هذا السياق ليبرالجياً عربياً في الولايات المتحدة أعرفه شخصياً، أدخلته السجن ابنته ذات الـ17 ربيعاً لأنه ضربها لما وجدها مع عشيقها في غرفة نومها ببيته وفي وضعية مخلّة بالآداب، وهو الذي طالما نادى بالحرية الشخصية لبنات غيره في العالم العربي والإسلامي.

هذه الليبرالجية في العالم العربي، كيل بمكيالين، نفاق عابر للحدود والقارات، أهواء وأمزجة، يدافعون عن المستبدين، ويكرهون الديمقراطية إن أفرزت إسلاميين، وعسكريون أكثر من العسكريين أنفسهم لأجل إزاحة شرعية انتخابية، وطائفيتهم أكثر من المعمّمين الإيرانيين.

وأكاد أجزم أن الليبرالية الغربية التي جاءت لترقية الأوطان وتطوير علمانية حررت الشعوب من هيمنة الكنائس بلاهوتها المظلم والظالم، لو نطقت للعنت قدرها مع هؤلاء الليبرالجيين وتبرأت منهم.

أخيراً وليس آخراً:

متى يستحي الليبرالجيون العرب من حالهم المفضوح الذي أزكم أنوف حتى أربابهم الليبراليين في الغرب؟

طبعاً.. لن يستحوا ولن يهنؤوا أبداً حتى تشيع الفاحشة باسم الحرية ويحظر التدين لأجل المواطنة ويسمح بالكفر بحجة حقوق الإنسان وتغلق المساجد بزعم "الإرهاب".. وللحديث شجون أخرى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة