النفط وما بعده

ثمة حاجة لاستحضار الرؤى بعيدة المدى في التعامل الخليجي مع التهديدات الاستراتيجية.

الجمعة، 27-02-2015 الساعة 14:05


في انهيار أسعار النفط فرصة للخليج. هي فرصة لإنعاش التفكير بالخيارات البديلة، لأنّ الضغوط تبقى الأقدر على تحفيز المراجعات. فلا يصحّ أن تبقى الأمم أسيرة خيارات مشكوك في قدرتها المُطلقة على البقاء.

كان الخليج قبل النفط، وسيبقى بعده بإذن الله. لكنّ معادلة البقاء والتطوّر تفرض التكيّف مع شروط الحاضر والتهيّؤ لتحديات المستقبل.

يجدر أن تتهيأ الحكومات والمجتمعات للاحتمالات كافة، ومنها أن يزهد العالم بالنفط إن أفلحت المساعي المحمومة لتطوير مصادر مجدية للطاقة البديلة، أو أن تواصل أسعار النفط انخفاضها فتخسر المنطقة معظم إيراداتها من حيث لم تحتسب. قد تبقى الاحتمالات القاتمة مستبعدة تماماً في الواقع، لكنّ مصائر الشعوب لا تُترك للأمنيات الحالمة وحدها، وقد رأى العالم في سنين خلت، هزّات اقتصادية وهي تجرف مجتمعات بأسرها ظلت تنعم بمؤشرات واعدة.

ثمة عناوين تتطلب المراجعة، يتقدمها العنوان التقليدي الذي راود الخليج طويلاً؛ أي تنويع مصادر الدخل. فارْتهان بلدان المنطقة لسلعة أساسية واحدة يمثل تهديداً استراتيجياً لا يمكن التهاون معه، مهما بدت مؤشرات الحاضر طاردة للمخاوف أو باعثة على الطمأنينة.

ولن ينجح الخليج بدون كسر الحواجز بين دوله، وإدارة علاقة تكاملية فعّالة مع محيطه أيضاً. تلوح في هذا المقام مفاضلة تقليدية بين السياسة والمنافع. ومن المصارحة القول بأنّ المنظور السياسي أو الأمني، الذي لم يتحرر من القصور، عطّل كثيراً من فرص التكامل والتبادل.

ثبت بالبرهان العملي أنّ سدّ الأبواب والنوافذ في وجه خيارات التكامل لا يقطع دابر التهديدات، بل يُفاقمها. لقد أدار الخليج ظهره لليمن فتعاظمت فيه التهديدات وتسللت إليه الأدوار الاستراتيجية المنافسة. وعندما تمّ تجاهل السودان، تفكك البلد العربي الأكبر المحاذي لبلدان "التعاون الخليجي" والتهبت أطرافه. أما قصة العراق فتمثل عظة استراتيجية مدفوعة الأثمان الباهظة.

ثمة حاجة إلى استحضار الرؤى بعيدة المدى في التعامل الخليجي مع التهديدات الاستراتيجية، ولا شكّ أنّ الهزات العنيفة التي يشهدها العالم العربي، ومحيط الخليج بالتحديد؛ إنما ترسم الشكوك حول سلامة استراتيجيات الخليج ذاتها وصلاحيتها للتعامل مع تهديدات الحاضر والمستقبل.

وفي الداخل الخليجي أدوار لا غنى عنها في مسيرة التكيّف مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة. يأتي من ذلك إدماج الشعوب والمجتمعات الأهلية في مسيرة التحوّل، واعتماد خيار المكاشفة بالحقائق بدل الطمأنة الزائفة. فالحكومات لا تفلح وحدها في إنجاز التحوّلات الكبرى، مهما أوتيت من إمكانات.

في لحظات الهبوط الاضطراري يجب التخلي عن سلوك المجاملة والمداهنة الذي يحظى به ركاب الدرجة الأولى، لأنّ كلفته ستكون باهظة عليهم. فلا تستقيم مخاطبة الشعوب في زمن التقشف بشعارات صيغت في زمن الوفرة. وما لم يتكيّف السلوك الاستهلاكي لمجتمعات الخليج مع الظروف المتوقعة كافة؛ فلن يقوَى على احتمال التحوّلات الاقتصادية الضاغطة.

وتبقى شواغل الاستثمار في الموارد البشرية، وردم الفجوة بين الأجيال في المجتمعات الخليجية، وتطوير أنظمة التعليم والتأهيل والتشغيل بما ينسجم مع التحوّلات. إنها ملفات كبرى تتطلب نقاشاً جاداً ومعمقاً.

وفي أوّل الأمر وآخره، لا يتعلّق السؤال بما ستفعله أسعار النفط بالخليج، بل ما سيفعله الخليج بالنفط وبدونه أيضاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة