"النكبة" الفلسطينية.. واللجوء الملون

يحيي 12 مليون فلسطيني هذا العام الذكرى الـ67 لاحتلال فلسطين على يد العصابات الصهيونية وتهجير قرابة 780 ألف فلسطيني.

الثلاثاء، 12-05-2015 الساعة 11:53


تجاوزت أبعاد النكبة الفلسطينية حدود الزمان والمكان، واخترقت جدران الزمن العربي القديم والجديد، لتكون نموذجاً ماثلاً لحالة التفكك والانهزام الذي يصيب الشعوب، ونقطة اللاعودة في حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قضوا نحبهم في طريق البحث عن قفل الباب بعد أن حملوا مفاتيحه معهم، ظانين بأنهم سيعودون بعد أسبوع حتى يتسنى لجيش الإنقاذ العربي رمي اليهود في البحر.

- ذكرى النكبة

يحيي قرابة 12 مليون فلسطيني هذا العام الذكرى الـ67 لاحتلال فلسطين على يد العصابات الصهيونية، وتهجير قرابة 780 ألف فلسطيني أجبرتهم الحرب على ترك وطنهم وأرضهم عام 1948، على أمل عودة قريبة، لكن هذا الأمل ما لبث أن أصبح القوت اليومي لقرابة 6 ملايين لاجئ وابن لاجئ، وابن ابن لاجئ، في حالة أشبه ما تكون بتعلق النفس بخيوط الشمس لعلها تحمل معها جديداً غير إضاءة أزقة المخيم الضيقة والمعتمة.

- اللجوء موت بطيء

كثيرون من الجيل الفلسطيني الشاب وبعد هذه السنوات من "النكبة" الفلسطينية، ربما يلومون في أنفسهم؛ أجداداً لهم، غيبهم الموت عن الحياة، "غُرر بهم" وخرجوا من بيوتهم خوفاً على حياتهم وحياة أبنائهم، بعدما أقنعوا أنفسهم بأن الغياب عن الكروم والحقول لن يطول، وأن حصاد القمح لن يفلت منهم. فالجيل الفلسطيني الشاب الذي اكتوى بنار الاغتراب، ورسم المخيم في نفسه حسرات على فسحة الأرض والزمان التي تركها أجدادهم وراء النهر، بات حبيساً للزقاق الضيق والصفيح الساخن.

- لاجئون جمع لاجئ

تفيد كلمة لاجئ في اللغة العربية معنى "الهارب من بلده إلى بلد آخر فراراً من اضطهاد سياسي أو ظلم أو حرب أو مجاعة"، لتصبح هذه الكلمة عنواناً رئيساً يحل في خضم الصراعات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية.

فالناظر لتاريخ اللجوء الفلسطيني في النكبة أو النكسة، يرى أن أمل العودة هو الدافع وراء خروج الإنسان من بيته وأرضه، لكن مسألة العودة السريعة تبددت مع تجذر المخيم في جسم الفلسطينيين الذين توزعوا في 58 مخيماً في الداخل الفلسطيني ودول الجوار العربي؛ ويُجمع من بقي من جيل النكبة على "خطأ" الخروج في ذلك الزمان، ولو عاد بهم التاريخ لما خرجوا وما تركوا أرضهم.

- لجوء.. ولكن بالألوان

وفي ظل إحياء الفلسطينيين الرمزي لذكرى النكبة خلال السنوات القليلة الماضية، كان العراقي والسوري، وغيره من شعوب المنطقة العربية، يبدأ لتوه حكاية اللجوء في العصر الحديث؛ فقرابة 11 مليون سوري لجأ من مكان سكنه، استقر 4 ملايين منهم خارج ترابه، بحسب الأمم المتحدة؛ وملايين العراقيين أيضاً دفعت بهم الحرب واحتلال الوطن عام 2003 إلى اللجوء نحو دول الجوار.

ربما اللون هو الفارق الوحيد بين حكاية الفلسطيني مع اللجوء، وحكاية اللجوء في العصر الحديث؛ فمشهد المخيمات الفلسطينية بالأبيض والأسود لا يختلف كثيراً عن مشهد مخيمات اللاجئين في تركيا والأردن ولبنان، وملامح الأطفال لم تختلف إلا بلون الملابس بين الأبيض والأسود والملون بشعار الأونروا.

أمل العودة هو قوت السوري والعراقي اليومي، كما هو قوت للفلسطيني منذ 67 عاماً، يخفف عنه أمل الاغتراب، وضيق العيش وتخلي الصديق والجار عنه.

المخيم بقي مخيماً طوال هذه السنوات، ربما تغير السقف لكن الغرفة بقيت غرفة، والزقاق بقي زقاقاً يحاصر الطفل والشيخ على حد سواء؛ قلة هم من استطاعوا الإفلات من واقع المخيم، لكنه لجأ من جديد إلى حياة جديدة في أصقاع الدنيا.

- اللجوء وغياب الوعي

ربما تهكم الكثير من الجيل الجديد على قلة وعي الجيل الفلسطيني الذي لجأ في عام 1948، واتهم الجهل بالتسبب في مأساة اللجوء؛ وذلك بسبب غياب وسائل الإعلام وغياب وسائل التوعية البديلة في ذلك الوقت، لكن واقع الحال اليوم ربما يبطل هذه النظرية؛ إذ إن وسائل التوعية والإعلام في العصر الحديث ربما تحولت لأداة صنعت مأساة لجوء جديدة، ولم تمنع خروج المظلومين والمقهورين من بيوتهم تحت القصف وتهديد بالقتل.

لكن اليوم مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور أساليب نقل الخبر، كان لقضية لجوء السوريين والعراقيين صدى كبير، واستطاعت هذه الوسائل إبراز القضية والمأساة الإنسانية المتفاقمة بسبب هذا اللجوء.

المتابع عن قرب لحياة اللاجئين، يلاحظ أنهم يتأقلمون مع الواقع الذي يعيشونه، ويؤسسون حياتهم على أساس أنها مؤقتة، لكن ما يلبث الوقت القصير المتوقع أن يتحول إلى سنوات، فأسبوع الفلسطيني عام 1948 مستمر منذ 67 سنة، دون أفق حتى للعودة... ويبقى الأمل.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة