الهجمات الإرهابيّة وزيادة شعبيّة الأحزاب اليمينيّة

موضوع اليمين المتطرّف وشعبيّته وعلاقته بالإرهاب، هو موضوع مشكل وذو شجون في الوقت نفسه.

الأحد، 27-03-2016 الساعة 21:17


مع كلّ هجوم إرهابي يستهدف العواصم الغربيّة، يسارع ثلّة من المحلّلين والباحثين إلى الصراخ قائلين: إنّ "هذه الهجمات ستزيد من شعبيّة اليمين المتطرّف وكره العرب والمسلمين".

صحيح أنّ أصحاب هذه المقولة مصيبون في ما ذهبوا إليه ولكن من حقّنا أيضاً أن نتساءل، هل أنّ اليمين المتطرّف في فرنسا وبريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكية وألمانيا وغيرها من الدّول، انتظروا هذه الهجمات الإرهابيّة ثمّ أعلنوا كرههم لكلّ ما هو إسلاميّ وكلّ من هو عربيّ، أم أنّ شعارهم وديدنهم ومعتقدهم الأساسي هو كره كلّ ما له علاقة بالهويّة العربيّة الإسلاميّة وكلّ دخيل على ثقافتهم وقوميّتهم الغربيّة؟

هذا السؤال المطروح والمشروع لا يمكن الإجابة عنه في مقالة سريعة لا تتجاوز الصفحة، بل إنّ هذه الإشكاليّة لو كانت موضوع بحث علميّ أو دراسة أكاديميّة لتجاوز عدد صفحاتها المئة، ولربّما جمعت في مجلّد مستقلّ بذاته.

إنّ موضوع اليمين المتطرّف وشعبيّته وعلاقته بالإرهاب، هو موضوع مشكل وذو شجون في الوقت نفسه؛ فهو مشكل لأنّ التطرف والإرهاب ليسا حكراً على الإسلام والمسلمين، بل إنّ المسيحيين المتطرفين يعلنون الحرب على الغرب، وذو شجون لأنّه أصبح موضوع الساعة الّذي لم ينبر لتحليله وتوضيحه وفكّ شيفراته إلّا بعض الكتاب والباحثين والصحفيين العرب، لذلك فإنّ الكتابة عنه ضرورة فرضها الواقع الّذي نعيشه والوقائع الأليمة الّتي يمرّ بها العالم.

بعد هجوم بروكسل الأخير، عاد موضوع صعود اليمين المتطرّف على أنقاض الهجمات الإرهابيّة متصدّراً ذهن الجالية العربيّة والمسلمة في المجتمعات الغربيّة، وذلك لتداعيات هاته الهجمات بصفة مباشرة عليهم سياسيّاً واقتصادياً واجتماعيّاً بدرجات متفاوتة.

فبعد هجمات باريس في 13 من شهر نوفمبر الماضي والّتي أوقعت 130 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، صعدت بورصة اليمين المتطرّف الفرنسي بقيادة المتطرّفة "مارين لوبان" ابنة المتطرّف جان ماري لوبان، حيث فازت الجبهة الوطنية الفرنسية بالجولة الأولى من انتخابات المجالس الإقليمية الفرنسيّة في شهر ديسمبر الماضي، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا هجوم تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي ضرب قلب العاصمة الفرنسية باريس، في المقابل كان المواطنون الفرنسيون والأوروبيون خاصة، بمن فيهم المسلمون الخاسر الأكبر جراء صعود اليمين الفرنسي المتطرف.

صفعة كبيرة لوسائل الإعلام الوسطيّة في العالم أجمع، خلّفت صدمة كبيرة لدى نظيرتها الفرنسيّة الناطقة بالعربيّة والفرنسيّة، وهو ما دفعها للإعلان عن حالة الاستنفار الإعلامي العامّ في تلك الفترة، موجّهة سهامها نحو المتابعين لإنارتهم بالخطر الدّاهم على العرب من شرّ قد اقترب، وهو ما أعطى أكله بعد أن عادت الأمور إلى مجاريها في الجولة الثانية عندما فاز اليمينيون واليساريون المعتدلون وتلقّت لوبان وحزبها العنصري ضربة موجعة.

خلال هذه الضجّة الكبيرة الّتي أعقبت فوز اليمين المتطرّف ثمّ هزيمته بعد أيّام، تناسى البعض حقيقة وجود مؤيّدين لهذه الأحزاب المتطرّفة وأرجعوا كلّ الأسباب إلى هجمات باريس، في حين ثبت تاريخيّاً أنّ اليمين المتطرف سبق له أن وصل إلى مركز متقدم في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2005، حيث خاض الرئيس السابق جاك شيراك الانتخابات الرئاسيّة في دورتها الثانية في مواجهة الرئيس السابق لـ"الجبهة الوطنية"، جان ماري لوبن، بعد خروج المرشح الاشتراكي آنذاك ليونيل جوسبان مهزوماً في الجولة الأولى.

لقد جبل القادة اليمينيون المتطرّفون على كره كلّ ما هو غريب عنهم، ومن المسلّم به عند الجميع، أنّ أول المتضررين من كرههم النابع عن عقيدتهم سيكون العرب والمسلمون الّذين سيضطرون لمواجهة متاعب جديدة وعديدة، فالتوجه السياسي للأحزاب اليمينية يأخذ الاتجاه المعادي للمهاجرين وكل من لا يدعم الثقافة القوميّة العامة.

صحيح أنّ الإرهاب له دور كبير في تنمية الحقد الدفين لدى اليمينيين بالإضافة إلى إظهاره وإعلان العداء المبين للعرب والمسلمين والمهاجرين بصفة عامّة، لكن قصر هذه الظاهرة على فزّاعة الإرهاب فقط ليس من العدل في شيء، فالتاريخ قصّ علينا مئات القصص المروّعة لهؤلاء اليمينييّن منذ قرون خلت.

من فرنسا إلى أمريكا، انتظر المرشّح الجمهوري الأمريكي اليميني المتطرّف دونالد ترامب هو الآخر الفرصة المواتية ليبوح بمعتقده العنصري؛ بهدف كسب الحاضنة الشعبية والعاطفة الانتخابيّة، ففي شهر ديسمبر الماضي أصدرت حملة "ترامب" بياناً بعنوان "بيان دونالد ترامب لمنع الهجرة الإسلامية"، جاء فيه أن "ترامب يدعو إلى وقف تام وكامل لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يفهم نوابنا ما جرى"، وذلك على خلفيّة هجوم لزوجين مسلمين على مركز لذوي الاحتياجات الخاصة بسان برناردينو في كاليفورنيا، أسفر عنه مقتل 14 شخصاً.

دولة أخرى ولكن على صعيد متّصل، لم يشذّ هجوم بروكسل الّذي أسفر عن مصرع 34 شخصاً وجرح أكثر من مائة آخرين هو الآخر عن القاعدة العامّة، حيث بدأ نجم اليمين المتطرّف في بلجيكا في الصّعود مجدّداً بعد استغلاله للحادثة بهدف تلميع صورته البشعة، وظهور قادته في ثوب المصلحين والمنقذين، في حين أنّ عودة سريعة إلى أرشيف التقارير الإعلاميّة البلجيكيّة أو حتّى العربيّة تبيّن لنا كيف لفظهم البلجيكيون في الرخاء وتعاطف معم بحذر خلال الشدائد.

في الأخير من الصّراحة القول إنّ الجالية العربيّة المسلمة في الغرب باتت في وضع لا تحسد عليه، والقصص الواردة علينا من هناك لا تنذر بالخير أمام تنامي ظاهرة "الإسلاموفوبيا" والعنصريّة بتعلّة أنّ العرب والمسلمين إرهابيّون، لكنّنا رغم ذلك متأكّدون من أنّ المجتمعات الغربيّة لن ترضى بأن يحكمها إقصائيّون واستئصاليّون يعيدونها إلى زمن الفاشيّة والنازيّة والحروب العالميّة؛ وذلك لاعتقادنا أنّ شعار الشعوب الغربيّة "الشّاذ يحفظ ولا يقاس عليه".

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة