الولايات المتحدة واستراتيجية مواجهة الإرهاب

استضاف البيت الأبيض مؤتمراً دولياً حول "الإرهاب" بالتزامن مع الكشف عن تدريب أمريكي لجماعات سورية معارضة.

السبت، 21-02-2015 الساعة 08:22


استضاف البيت الأبيض في واشنطن يومي الأربعاء والخميس الفائتين، مؤتمراً دولياً حول مناهضة التطرف ومكافحة الإرهاب بمشاركة ستين دولة، حثّ فيه الرئيس باراك أوباما القيادات المسلمة حول العالم على نزع الشرعية عن التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم داعش، داعياً إلى مواجهة شاملة مع الإرهاب لا تقتصر على الحلول الأمنية فحسب، وإنما تشمل العقائد والبنى التحتية للإرهاب من إعلام وتمويل وتسهيل.

المؤتمر يأتي متزامناً مع الكشف عن برامج تدريب أمريكية لجماعات سورية معارضة في دول الجوار السوري دون أن يتضح الهدف من عمليات التدريب هذه. هل هي لمواجهة النظام السوري أم لمواجهة الجماعات المتشددة العابرة للحدود مثل داعش والنصرة؟

الشواهد التاريخية تقول إن الولايات المتحدة استثمرت الجماعات الجهادية خلال نزاعها مع الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ودعمت بالمال والسلاح، وأعطت الضوء الأخضر لدول فاعلة في الشرق الأوسط للتسهيل والتمويل وتوفير كل ما يلزم من خطاب ديني وسياسي لتشجيع الشباب على الالتحاق بركب الجهاد الأفغاني للوقوف في وجه الإلحاد القادم من القطب الشمالي.. تلك مرحلة تاريخية لم تنته مفاعيلها على الأرجح، إذ إن أغلب المقاتلين العرب عادوا مطلع التسعينيات إلى بلدانهم، وأضحوا يشكلون تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، وهو ما استدعى تحركاً عاجلاً مع ظاهرة كان يفترض أن تنتهي بانتهاء توظيفها في جبال أفغانستان، إلا أن الأمور لم تسر بحسب ما كان يأمل المخطط الأمريكي في حرب كانت أكبر بكثير من تطلعات العرب وحدود مصالحهم.

يذهب البعض اليوم إلى أن الاستراتيجية الأمريكية في العراق عام 2003، وفي سوريا عام 2011، وليبيا عام 2015، لا تخلو من أهداف الاحتواء والتوظيف لهذه الجماعات لمرامٍ لا تختلف عمّا حصل في أفغانستان عام 1979 .

وبما أن الولايات المتحدة منخرطة أصلاً في مواجهة الإرهاب، وهي تقود بلا شك التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الذي يضرب داعش في العراق وسوريا، فما هو الهدف من استضافة المؤتمر في البيت الأبيض، والجميع يعلم أن المؤتمر لا ينتظر منه أن يتبنى استراتيجية موحدة في محاربة الإرهاب ضمن سقف زمني محدد؟

ثم ما المانع أن تكرر الولايات المتحدة سياساتها السابقة فتعمد لابتزاز العالم العربي والدول الغنية فيه تحديداً تحت يافطة مواجهة الإرهاب، الأمر الذي من شأنه أن يضع واشنطن في مركز الصدارة بمحاربة التطرف، بل في مركز قيادة العالم بشكل أحادي، في الوقت الذي يمنع التعددية القطبية ويضع الاقتصاد والسياسات الدولية رهينة المزاج الأمريكي "الجشع والنهم" للهيمنة على موارد المال والطاقة والتكنولوجيا في العالم.

عندما تتحدث الاستخبارات الأمريكية عن وجود حوالي عشرين ألف مقاتل في تنظيمي داعش والنصرة قدموا من الدول الغربية خلال ثلاث سنوات إلى سورية والعراق، دون أن تخبرنا كيف تسلل هؤلاء إلى المنطقة، وكيف عبروا عدداً من البلدان دون أن يجدوا عراقيل حقيقية تمنعهم من الوصول، عندها سيكون هناك علامة استفهام كبيرة، تذكرنا بعمليات التوظيف غير المباشر للشباب المتحمس للتضحية بنفسه تحت راية الجهاد دون أن يدرك أن قوى خفية تسيره لمصالح هو بالكاد يفهم توازناتها ومراميها وأهدافها.

وما قتال الولايات المتحدة لتنظيم داعش بداحض هذه الشبهة عنها، رغم تصريحات المتحدث باسم البنتاجون جون كيربي بأن استراتيجية الولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش تعمل بفعالية، وتصريحات المنسق الأمريكي للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية" الجنرال المتقاعد جون آلن: "نحن مقتنعون بأن غاراتنا الجوية أدت إلى مقتل أكثر من 600 رجل من تنظيم الدولة الإسلامية".

يبدو أن المواطن الأمريكي نفسه غير مقتنع بسياسات إدارة البيت الأبيض تجاه الإرهاب، ومثال على النقد اللاذع للخطط الأمريكية تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست على موقعها الإلكتروني السبت الماضي، يؤكد "أنه منذ هزيمة وطرد اثنتين من أكبر حركات التمرد التي يدعمها الغرب الشهر الماضي من محافظة إدلب السورية، بدأت جبهة النصرة في تعزيز موقفها بصورة مستمرة باعتبارها أعتى قوة عسكرية مفردة في شمال غرب سوريا".. فعن أي مواجهة وعن أي استراتيجية شاملة يتحدث البيت الأبيض؟

الشرق القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة