الولايات المتحدة والنظام الدولي: باقية وقد تتمدد!

الإدراك الأمريكي المتأخر لحجم الخطر الصيني على استمرار الهيمنة الأمريكية، دفع إدارة أوباما لاعتماد سياسات جديدة.

الخميس، 03-11-2016 الساعة 11:51


لا يستطيع باحث جاد، عند تحليل ودراسة التطورات السياسية المحلية أو الإقليمية، الاستغناء عن البحث في الأوضاع الدولية وتحليلها، فالتطورات الدولية تلقي دوماً بظلالها على الأوضاع المحلية والإقليمية في جميع أنحاء العالم.

فمنطقة الشرق الأوسط –مثلاً- ظلت ميداناً لصراع القوى العظمى طيلة العقود الماضية، فالقوى العظمى القديمة هي التي رسمت خريطة هذه المنطقة في الماضي، والقوى العظمى المعاصرة هي من يملك زمام القرار في الكثير من القضايا الشائكة الجارية فيها بالوقت الحاضر. وعلى سبيل المثال، يظهر عظم أثر القوى العظمى في منطقة كالشرق الأوسط عند النظر إلى تعقيدات القضية الفلسطينية أو السورية أو غيرها، فلا يستطيع أكثر المحللين تفاؤلاً الزعم بإمكانية حل أي من تلك القضايا المعقدة دون تدخل من القوى العظمى أو تغير في ميزان القوة القائم بينها.

مقاييس القوة

تتفاوت مناهج تقييم قوة الدول بين مدرسة سياسية وأخرى، ولعل المعايير الأكثر انتشاراً عند الحديث عن قوة الدول هي تلك المستقاة من أدبيات المدرسة الواقعية. وتمثل المعايير الخمسة التي حددها العلّامة الواقعي كينيث والتز Kenneth Waltz، مؤسس المذهب البنيوي في السياسة الواقعية Structural Realism (المسمى أيضاً الواقعية الحديثة Neorealism) لتحديد أحجام القوى العظمى والمعايير الأكثر قبولاً وانتشاراً بين الساسة والباحثين، وهي: عدد السكان، والمساحة الجغرافية، والثروات والقدرات الاقتصادية، والقوة العسكرية، والاستقرار والكفاءة السياسيان.

ويمكن إعادة ترتيب هذه المعايير أيضاً وفقاً لعناوين ثلاثة أساسية؛ هي: القدرات المادية، والمواصفات المكانية، والمكانة الدولية.

وقد ابتكر باحثون صينيون مؤخراً مقياساً شاملاً لقوة الدول يهتم بأشكال القوة كافة، الصلب منها والناعم، ويشبه إلى حد ما مفهوم "القوة الذكية" الأمريكي smart power الذي انتشر في العقد الأخير. وجاء المفهوم الصيني لتقييم قوة الدول، المسمى مقياس "القوة الوطنية الشاملة" (综合国力 زنغ هي غو لي)، كأسلوب جديد في النظر إلى قدرات الدول بسبب إدراك الصين خطورة انتهاج الخطأ الذي وقع فيه الاتحاد السوفييتي حين انصرف إلى التركيز على تطوير القدرات العسكرية على حساب نطاقات القوة الأخرى الاقتصادية والثقافية وغيرها.

عالم من القوى

بالنظر إلى خريطة القوى العظمى وميزان القوى الدولي القائم حالياً، وفقاً للمعايير والمناهج سابقة الذكر (المنهج الواقعي والمنهج الصيني)، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى أولى عالمياً لا تزال -رغم كل التغيرات الدولية التي شهدها العقدان ونصف العقد الماضي- تتصدر المشهد الدولي وتتربع على رأس المنظومة الدولية قوة أعظمَ مهيمنةً (Hegemonic superpower) لها مصالح ومشاريع ووكلاء في جميع أنحاء العالم. وبالنظر إلى جميع المؤشرات الاقتصادية والعسكرية والأمنية (التي تجنَّب هذا المقال تفصيل عرضها هنا رغم أهميتها كموضوع يستحق الإفراد)، فلا تزال الولايات المتحدة تتفوق على مجموعة من القوى العظمى المنافسة لها، والمتنافسة فيما بينها. وعلى الرغم من تفوقها، فإن "أسئلة كثيرة لا تزال تحوم حول مدى شرعية وفاعلية واستدامة قيادة الولايات المتحدة [للنظام الدولي]"، كما عبر الخبير الاستراتيجي زبغنيو برزنسكي في كتابه "رؤية استراتيجية: أمريكا وأزمة القوة العالمية".

وتشمل الطبقة الثانية من القوى العظمى كلاً من الصين وروسيا وقادة الاتحاد الأوروبي –غير الرسميين- ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى اليابان. ورغم التقارب النسبي في قوة أعضاء هذه الطبقة من القوى العظمى، فإن الصين أضحت تبدي تفوقاً ملموساً على بقية هذه القوى.

وقد يتيح استمرار الصعود الصيني للصين –إن نجحت في تجنب الصدام مع الولايات المتحدة- أن ترتقي خلال عقد أو عقدين إلى مصاف الطبقة الأولى من القوى العظمى لتكون قطباً ثانياً ينافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي. أما باقي أعضاء هذه الطبقة، فتتفاوت قدراتهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ولكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو عدم امتلاك أي منهم خلطة متكاملة من القدرات التي تؤهل أي قوة لتنافس القوة الأولى عالمياً.

ويأتي في المرتبة الثالثة من القوى الدولية، طبقة ثالثة من القوى الصاعدة تضم الهند والبرازيل، وربما إندونيسيا في المستقبل القريب. وتملك هذه القوى نفوذاً واسعاً في محيطها الجيوستراتيجي، كما تملك الكثير من مقومات توسيع النفوذ ليشمل مناطق أخرى من العالم، لكنها لا تزال غير قادرة على التأثير في مناطق عدة من العالم بشكل متساو في وقت واحد.

ويعقب هذه الطبقات الثلاث الكثير من التصنيفات للقوى الدولية مثل "القوة الوسطى" و"القوة الاقليمية" و"القوة الصغيرة" وغيرها. ورغم أهمية أدوار وأوزان هذه القوى العديدة في السياسة الاقليمية وأحيانا الدولية، فإن النظام الدولي السائد حالياً يعتمد بشكل أساسي على أدوار وعلاقات الطبقتين الأوليين ومساهمات بعض القوى الأخرى من حين لآخر.

الولايات المتحدة باقية وقد تتمدد!

حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على موقع الريادة على الصعيد الدولي واستمرت في لعب دور القوة العظمى عالمياً منذ انهيار الإتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة حتى الآن. ورغم ازدياد الجدل مؤخراً حول احتمال تراجع القوة الأمريكية، وتزامن ذلك مع صعود الصين كمنافس جدي على موقع الصدارة الدولية، فإن فرضيات انسحاب الولايات المتحدة من بعض مناطق العالم كالشرق الأوسط واحتمالية انهيار قوتها تحت وقع أزمات مالية محتملة، تهمل حقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال حتى الآن القوة الوحيدة عالمياً التي تملك مصالح وحضوراً في جميع مناطق العالم مجتمعة.

ولإدراك حجم القدرة الأمريكية بشكل كامل، فإنه من المفيد استعراض أهم العوامل المساعدة للولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها في صدارة النظام الدولي. وفيما يلي أهم هذه العوامل (وقد عرض برزنسكي بعضها بشكل مفصل في كتابه آنف الذكر):

1. وجودها في بيئة إقليمية استراتيجية آمنة ومستقرة بصورة لا تملكها أي من القوى العظمى المنافسة. فالولايات المتحدة محاطة بالبحر شرقاً وغرباً ويحدها من الشمال حليف استراتيجي يشاركها نفس الثقافة واللغة والتاريخ (كندا) ويصنف قوة وسطى في النظام الدولي، ومن الجنوب حليف صاعد (المكسيك) يحتاج للولايات المتحدة بشدة كي يستمر في الصعود ويحقق الاستقرار الداخلي والتنمية المنشودة.

2. وجود بيئة داخلية مستقرة يعززها وجود نظام ديمقراطي مؤسساتي قوي يستوعب المكونات المتنوعة للمجتمع الأمريكي.

3. تفوق معرفي وتكنولوجي هائل يتجاوز في بعض المجالات قدرات القوى العظمى الأخرى مجتمعة. فلا تزال الولايات المتحدة المنتج الأول عالمياً -وبفارق واسع عمن يليها- للعلم والمعرفة والأفكار، ولا تزال مؤسساتها التعليمية العليا هي الأفضل عالمياً حسب كل التصانيف، ما يؤهلها دوماً إلى ابتكار حلول جديدة للمشاكل القائمة والمحتملة.

4. ترسانة عسكرية متفوقة تصل لأضعاف ما لدى القوى العظمى الأخرى مجتمعة. فالإنفاق العسكري الأمريكي يبلغ نحو 43% من مجموع الإنفاق العالمي، وقد بلغ عام 2015 قرابة 579 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف إنفاق الصين وقرابة عشرة أضعاف الإنفاق الروسي.

5. موارد اقتصادية وطبيعية هائلة، داخل البلاد وخارجها، يوازيها تكاليف داخلية غير باهظة مقارنة بقوى عظمى أخرى. فتعداد سكان الولايات المتحدة لا يزيد على 300 مليون نسمة مقارنة بأقرب منافسيها، الصين ذات المليار ونصف المليار نسمة. وتحظى الولايات المتحدة، فضلاً عن مواردها الداخلية الكثيرة، بالسيطرة على معظم المشاعات الكونية كالفضاء والقطبين المتجمدين، كما أنها تسيطر على عالم الإنترنت بشكل شبه مطلق.

6. قوة ناعمة متفوقة لا توازيها انتشاراً أو نفوذاً قوةُ أي من القوى العظمى المنافسة. فعلى الرغم من الهزات الكثيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة مؤخراً، فهي لا تزال "أرض الأحلام" للكثير من الناس وهي الرائدة عالمياً في عوالم الفن والثقافة، حيث حققت العولمة من النفوذ والهيمنة لأمريكا أكثر مما حققته لأية قوى عظمى أُخرى منافسة.

7. تحالف عسكري دولي لا نظير له هو "الناتو". ويمثل هذا الحلف أكبر تجمّع عسكري في العالم المعاصر، ما يمنح الولايات المتحدة مظلة حماية استراتيجية لا تملكها قوى منافسة؛ كالصين وروسيا.

8. وفوق كل ما سبق، تتحرك الولايات المتحدة في نظام دولي صممت هي الشقَّ الأكبر منه. فالمنظمات الدولية الرئيسةـ كالأمم المتحدة وأخواتها، إما أن تكون قد أنشئت في الولايات المتحدة، وإما تقبع مقراتها فيها، أو تمثل الولايات المتحدة الممول الرئيس لها. والنظام المالي العالمي هو أيضاً من تصميم الولايات المتحدة، ومؤسساته الكبرى، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، قابعة في واشنطن ولا تملك أن تخالف إرادتها. لذا، فعلى أي قوة دولية صاعدة تسعى لمنافسة الولايات المتحدة أن تدرك أنها تلعب في ملعب تملكه الولايات المتحدة بقواعد لعب تضعها الولايات المتحدة أيضاً.

صعود الصين

على الرغم من تفرّد الولايات المتحدة بقيادة المنظومة الدولية على مدى العقدين الماضيين، شهدت الفترة نفسها صعوداً متسارعاً للصين، حيث أضحت مع نهاية عام 2010 صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم متخطية اليابان. كما بدأت بتطوير قدراتها العسكرية وتوسيع علاقاتها الدولية فطرحت عام 2006 مشروعها الدولي القائم على مبدأ لعب دور "القوة العظمى المسؤولة"، وانضمت إلى المؤسسات المالية العالمية، وعززت من استثماراتها في كل مكان، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر الشريك الاقتصادي الأول للصين.

ويعزز السلوك الاستثماري الصيني نظرية "الصعود السلمي" التي تطرح أن الصين ستستمر في صعودها السلمي، محاولةً تحقيق توازن مع الولايات المتحدة في صدارة القوى العظمى ثم الحلول مكانها بشكل أشبه بعملية "الاستلام والتسليم" لا "الصدام الكوني" أو عودة الحرب الباردة. ورغم وجود تيار أمريكي ميّال إلى الصدام مع الصين، فإن حجم الاعتماد المتبادل بين الاقتصادين الصيني والأمريكي ورؤية إدارة أوباما للعلاقات الدولية قد نجحا في تحجيم الطرح الصدامي بشكل كبير حتى الآن.

ورغم استمرار الصين في الصعود دولياً عبر تحقيقها مستويات تنمية اقتصادية استثنائية على مدى عقود وتطويرها قدراتها العسكرية والدبلوماسية، فإن المعوقات التي تمنعها من انتزاع موقع الولايات المتحدة المتفرد كثيرة؛ أبرزها:

1. الوجود في بيئة إقليمية غير صديقة، فمعظم الدول المحيطة بالصين لها نزاعات حدودية وخلافات تاريخية معها كاليابان وروسيا والهند وفيتنام، بالإضافة إلى معظم الدول المطلة على بحر جنوبي الصين. كما يقع على مقربة من الصين مربع أمني Security Complex شديد التعقيد يمثل أخطر بقعة قابلة للانفجار في آسيا –وربما في العالم- وهي منطقة شبه الجزيرة الكورية ذات الصراع التاريخي المشحون بالخطر النووي.

2. محدودية الموارد الاقتصادية والطبيعية الداخلية في مقابل حاجة ملحّة لرعاية مجموعة سكانية هي الأكبر في العالم، بالإضافة للحاجة لمشاريع إنشاء بنية تحتية هائلة جداً لا تزال الصين تحتاج لها لتحقيق مستوى معقول من النهضة والعدالة الاجتماعية.

3. وجود تحديات سياسية واجتماعية داخلية كبيرة: منها تحدي أقاليم الأقليات ومطالبها التاريخية كالتيبيت (سي تزانغ 西藏) وتركستان الشرقية (سين جيانغ 新疆)، وتحدي الوحدة والانفصال في كل من تايوان وهونغ كونغ، وتحدي التناقض بين أيديولوجيا الدولة الماركسية وبرنامجها الاقتصادي الرأسمالي وغيرها من التحديات.

4. الافتقاد لتحالف دولي سياسي أو عسكري –أو حتى اقتصادي- كالذي تملكه الولايات المتحدة الأمريكية، فليس من الممكن مقارنة تجمّع البريكس الاقتصادي (BRICS) بحلف شمال الأطلسي الاستراتيجي، كما لا يحظى مشروع الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملةRegional Comprehensive Economic Partnership (RCEP) الصيني بالدعم والقبول اللذين حظيت بهما اتفاقية الشراكة العابرة للهادئ الأمريكية Trans-Pacific Partnership (TPP)، ما يعني أن الصين لا تزال في أول الطريق إذا ما أرادت تشكيل مظلة إقليمية أو دولية داعمة لها بشكل استراتيجي.

ورغم وجود هذه العقبات في وجه الصين، فإن تطور الأحداث خلال العقد ونصف العقد الماضيين قد أسهم في تسهيل مسار الصعود الصيني. فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أهدرت الكثير من الطاقات والزمن مطلع القرن الحادي والعشرين عبر مغامرات بوش الابن في أفغانستان والعراق. هذا الهدر وفر على الصين الكثير من الطاقات وساعدها في تسريع الصعود على الحلبة الدولية.

الإدراك الأمريكي المتأخر لحجم الخطر الصيني على استمرار الهيمنة الأمريكية، دفع إدارة أوباما لاعتماد سياسات جديدة تهدف إلى احتواء الصين؛ أهمها سياسة "الارتكاز نحو شرقي آسيا" المعروفة اختصاراً بسياسة الارتكاز "Pivot" والتي اعتمدتها الإدارة الأمريكية عام 2012 بهدف تحويل التركيز الاستراتيجي الأمريكي من أوروبا والشرق الأوسط نحو منطقة آسيا-باسيفيك.

هذا التطور في السياسة الأمريكية واستمرار صعود الصين، يعنيان أن التنافس الأمريكي-الصيني قد يصبح أكثر احتداماً خلال العقد المقبل، ما ينذر بمخاطر جمة على استقرار منطقة آسيا-باسيفيك ذات الصراعات الكثيرة الكامنة، لكن في المعادلة الكلية للنظام الدولي لا تزال الولايات المتحدة القوة الأولى المهيمنة إلى حين.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة