اليمن في مهبّ الحوثيين

قبائل راغبة في تصفية حساباتها مع قبيلة حاشد ساعدت في سقوط عمران.

الأحد، 13-07-2014 الساعة 06:04


البلاد السعيدة ترقص من الألم. هذه حال اليمن، هذه الأيام، التي تحمل من الأوجاع ما تنوء بحمله الجبال.

القاعدة والحراك الانفصالي في الجنوب، والحوثيون في الشمال؛ مثلث برمودا الذي يرسم الرعب حول مصير البلد المثقل بأزماته. غير أن أخطر أضلاع المثلث، من الناحية العملية حتى الآن، هو ضلع الشمال الذي يتضخم ويزداد قوة، وذلك بعد سقوط محافظة عمران بيد الحوثيين في الـ 8 من يوليو/ تموز الجاري.

سقوط هذه المحافظة، التي تبعد 50 كلم فقط عن العاصمة صنعاء، جمّد الدماء في عروق اليمنيين، وكشف عورة القوات المسلحة اليمنية التي انهزمت من الجولات الأولى في مدينة يحميها واحد من أقوى ألوية الجيش اليمني وهو اللواء "310".

ثمة من يرى أن عمران مثلت نقطة جذب مغرية لأحزاب وقوى محلية وإقليمية "التأمَت" مصالحها على سقوط هذه المحافظة، بما تشكله من خطر حقيقي على نظام الحكم في صنعاء، لإدخال اليمن في لهوٍ يكبح قوى الثورة عن المضي في عملية التغيير الداخلي الجارية، وبذلك إضعاف الدولة وصولاً إلى تقاسم كعكتها بين أصحاب المصالح "الملتئمة".

"خط أحمر"

هذه الرؤية لم تأت من فراغ، بل من إشارات وتضمينات وردت في أكثر من خطاب للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي أشار، الأسبوع الماضي، إلى إيران بالوقوف وراء الحوثيين بقوة لدوافع "طائفية". واتهم، ضمناً، سلفه علي عبد الله صالح بالتخطيط لإجهاض العملية السياسية الانتقالية على خلفية "مظاهرات المشتقات البترولية" في الـ 11 من يونيو/ حزيران الماضي.

بالنظر إلى التطورات الأخيرة، يبدو اليمن كقطعة لحم شهية وسهلة المنال للاعبين عن بعد، والسبب يعود إلى حالة "الخوار" التي يعاني منها العمود الفقري للدولة متمثلاً بالجيش.

فبعدما رسم كبار مسؤولي الدولة، السياسيين والأمنيين والعسكريين، خطاً أحمر عريضاً حول محافظة عمران، لم يجد الحوثيون أي صعوبة في "ابتلاع" المحافظة، ثم القيام بأعمال دهم لمنازل يمنيين واقتيادهم إلى جهات مجهولة، وكذلك تفجيرهم داراً للقرآن ومدارس أهلية، ناهيك عن إعدام العميد حميد القشيبي قائد اللواء "310".

لكن، كيف كان رد السلطات والأجهزة المختصة؟

جاء الرد الرسمي متماهياً مع "الخط الأحمر"، الذي انتقل هذه المرة إلى صنعاء بعدما أعلنت اللجنة الأمنية في العاصمة أن "صنعاء خط أحمر"، وهو رد فاجأ الكثيرين، وسبب إحباطاً لمؤيدي السلطة، خاصة وأن خطاب اللجنة، غداة يوم واحد من سقوط المحافظة، تجنب اتخاذ موقف حازم وقوي تجاه فئة انتزعت السيطرة على محافظة كاملة من قبضة الدولة.

أما الرئيس عبد ربه منصور هادي، فمع أنه طالب الحوثيين بالخروج من عمران والعودة إلى معقلهم الرئيس في صعدة، فإنه "دبّج" خطابه بمفردات دبلوماسية، و"غزَلَ" على منوال الوطن، وابتعد عن اللغة التصعيدية، في محاولة منه للحفاظ على الهامش المتبقي من التواصل بين الدولة والحوثيين، والذي يتغذى من حجة الأخيرين بأن قتالهم في عمران هو ضد "التكفيريين"، في إشارة إلى الإسلاميين، وليس ضد الدولة.

تصفية حسابات

التأويلات والتحليلات التي نمت وترعرعت، بسرعة، على ضفاف عمران "المحتلة"، وحاولت تفسير سقوط المحافظة والتقدم المتواصل للمسلحين الحوثيين، تنوعت، غير أن أكثرها رواجاً وإقناعاً لمزاج الشارع اليمني هي تلك التي تتحدث عن نجاح الحوثيين في اللعب على التناقضات القائمة بين قبيلة حاشد، كبرى قبائل اليمن والمصدِّر لأبرز قادته السياسيين والعسكريين، وبعض القبائل المناهضة لها، ورغبة تلك القبائل في تصفية حسابات قديمة مع شيخ مشايخ حاشد "صادق الأحمر" تحت عباءة الحوثيين. وكان الخاسر الأكبر في هذا التحالف هو اليمن الدولة، وكثير من العسكريين والمدنيين.

قاتل الحوثيون في عمران تحت راية "الثورة"، وقالوا نحن نفعل في سياق ثورة شعبية، غير أن صدى هذا التبرير تردد في شارع الستين، أكبر شوارع العاصمة صنعاء، وموطن أضخم الاحتجاجات في وجه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بمظاهرات حوت مئات الآلاف في جمعة "دفاعاً عن الجمهورية ووفاءً لشهداء الجيش" التي نددت بسيطرة من أسمتهم "مليشيات الحوثيين" على عمران، وطالبت بنزع سلاح الجماعات المسلحة في البلاد بمن فيها الحوثيون. وامتدت لهيب المظاهرات إلى محافظات تعز وإب وذمار.

استباق

هذه المظاهرات الحاشدة أحرجت الخطاب المعلن للمسلحين الحوثيين، ونزعت عنه أي صفة شرعية قد تتضمنها دعاويه الثورية في حمل السلاح. فماذا بقي إذن؟

بقي الحديث، الذي يدور على مستوى النخب والشارع اليمني، عن استباق الحوثيين تطبيق مخرجات الحوار الوطني، التي تقضي بأن تكون اليمن دولة اتحادية مؤلفة من 6 أقاليم: 4 في الشمال و2 في الجنوب، ومحاولة تعزيز وجودهم على الأرض قبل أن تصبح الأقاليم أمراً واقعاً، ومن دون أن تكون إيران وسياستها التوسعية غائبة عن ألسنة اليمنيين وأقلامهم.

في بلد ينشط فيه أخطر فروع تنظيم القاعدة، في نظر الأمريكيين، يجب أن يستوي الاستقرار على سوقه، وتكون الكلمة الفصل للدولة التي تتولى "ملف الإرهاب" في الداخل بكثير من الالتزام، ولأجل ذلك فقد كان مجلس الأمن ومن ورائه الولايات المتحدة واضحين في دعوة الحوثيين إلى الخروج من عمران، تحت طائلة التهديدات.

تقبل الحوثيون دعوة مجلس الأمن بقبول حسن، في تناسب عكسي مضطرد مع شدة بأسهم على إسلاميي اليمن وقبيلة حاشد، فأعلنوا استعدادهم "لتسليم" عمران للجيش اليمني بعد "تنظيفها" من "التكفيريين".

أكبر المتفائلين في اليمن لا يمكن له أن يرى في خروج الحوثيين من عمران نقطة في آخر سطر هموم البلاد. فالجميع في اليمن يدرك أن بلده تسبح في بحر من الأزمات تبدأ في تراجع إنتاجية القطاع الزراعي في اليمن الذي يغطي نحو 18 % من إجمالي الناتج المحلي، ويوفر فرص عمل لأكثر من 54 % من القوى العاملة في الدولة، وتمر تلك الأزمات بـ 14 مليون نسمة بحاجة لمساعدات إنسانية من عدد سكان اليمن البالغ 25 مليوناً، يعيش أكثر من 40 % منهم تحت خط الفقر، وكل ذلك حسب إحصائيات للأمم المتحدة.

ولا يشكل التحدي الأمني الذي يؤرق السلطة والمجتمع نهاية للأزمات اليمنية، على حد سواء، في بلد ينتشر فيه 50 مليون قطعة سلاح.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة