انهيارات دبلوماسية ومكافأة للإرهاب

تبعث قائمة الخريف الصادرة من عمق الخليج برسائل في الاتجاه الخاطئ. فقد بدت وكأنها تكافئ قاطعي الرؤوس وخصوم الحوار.

الأربعاء، 19-11-2014 الساعة 14:13


أذرع مسلّحة تنشط في الهوامش الاجتماعية، وجدت نفسها فجأة في مصاف منظمات المجتمع المدني المرموقة العاملة في أوروبا وأمريكا. سابقة تاريخية أن تجمعها قائمة مشتركة ويحتويها تصنيف واحد.

ما الذي جرى بالتحديد؟

تمّ تصعيد حاملي السلاح القابعين في الجبال إلى "درجة رجال الأعمال". وجنباً إلى جنب شوهد ممثلو عصبة مسلّحة مع مسؤولي منظمة مدافعة عن الحقوق المدنية في واشنطن العاصمة، تحفهم كوكبة من قاطعي الرؤوس وهم يتقاسمون الطعام والشراب مع هيئات مسلمي أوروبا المرموقة ومؤسسات حقوقية في جنيف. وفي الصدارة جلس ممثلو هيئات إنسانية محترمة تحفهم دعاوى التكفير ومخططات التفجير.

هذه هي الصورة التي ترسمها "قائمة الإرهاب" الجديدة التي حسبها بعضهم للوهلة الأولى وصفة مفتعلة للإضحاك. فالغائب عن القائمة، الصادمة بطولها، والمذهلة بتفاصيلها؛ هو معنى الإرهاب ذاته، ومعايير التصنيف، ولذلك أثمانه الباهظة التي تقضم من رصيد الدول في المصداقية والدبلوماسية معاً، كما تبعث بسلسلة رسائل في الاتجاه الخاطئ.

تتهاوى مصداقية الدول إذا ما أقحمت منظمات حقوقية في قائمة الإرهاب، وسيكون الثمن باهظاً في مجال العلاقات العامة؛ لما يعنيه ذلك من خسارة مشهد المجتمع المدني العالمي الناشط في حقوق الإنسان.

وعند وضع مؤسسات إسلامية أوروبية معتدلة في القائمة ذاتها؛ فمن يقوى على عواقب أزمة الثقة مع أربعين مليون مسلم أوروبي إذ يلحق بهم الأذى من حيث لم يحتسبوا؟

وسيكون للزج بمؤسسة خيرية عريقة في جوقة الإرهاب ذاتها، تأثيره المدمر على صورة الدولة الحريصة على البر، ويمكن قراءة ذلك في عيون ملايين الذين استفادوا من العطاء الخيري الذي بات موصوماً بأشنع نعوت العصر.

أما تصوير الأنظمة الأمنية والعدلية في أمريكا الشمالية وأرجاء أوروبا في هيئة العاجز عن تصنيف المخاطر في ساحتها الداخلية؛ فيحمل رسالة استفزاز لشركاء المجتمع الدولي لا تخطئها العين.

لم يصدِّق كثيرون نسبة القائمة التي يصعب فهمها، إلى دولة ذات حضور عالمي واسع في مجال الإنجازات الخارقة، فليست هذه هي الإمارات العربية المتحدة التي عرفها العالم.

لكنّ الدول تخسر عندما تعتمد مسلك تقويض الجسور والتنازل عن الانفتاح، فالقطيعة ليست خياراً في الدبلوماسية بأي حال. وكل ما تم استثماره في العلاقات العامة والدبلوماسية الشعبية وبناء الصورة الذهنية منذ تشكيل الاتحاد عام 1971، قابل لأن يتهاوى سريعاً تحت وطأة قرارات لا يمكن تسويقها.

في عالم تتعاظم فيه أهمية القوة الناعمة، القائمة على التواصل والتأثير وبناء الثقة، يتضح أنّ أسرع وصفة لتقويض الجسور هي إصدار قوائم سوداء، والتوسع في تصنيفات الإرهاب. لقد اضطرت الولايات المتحدة إلى انتخاب رجل علاقات عامة من الطراز الأول، ليمسح آثار جورج بوش الابن المتهم بالرعونة والطيش والتوسع في استعمال هراوة الإرهاب.

تبعث قائمة الخريف الصادرة من عمق الخليج برسائل في الاتجاه الخاطئ. فقد بدت وكأنها تكافئ قاطعي الرؤوس وخصوم الحوار باستصحابهم مع ناسجي العلاقات الإنسانية ومناهضي الخصام. ومع تعطيل الوصف واضطراب المعنى؛ قرأ كثيرون في القائمة مكافأة للإرهاب وتشويهاً للاعتدال، كما جاء في فحوى بيانات التعليق عليها وتصريحات التنديد بها الصادرة في عواصم الأرض.

ثمة رسالة فائقة الخطورة إذا ما تنزّلت في واقع المنطقة الملتهب؛ فقوائم التعميم في التصنيف من هذا النوع، تعين الشبان الغاضبين على حسم موقفهم واستسهال الالتحاق بأحد الفريقين؛ فكلاهما سواء. بات النشاط في مؤسسة أهلية خيرية تسعى في دروب الإحسان، يستوي مع الانخراط في برامج تمزيق الدول وخطف الطائرات، فما تفصح عنه القائمة الجديدة هو أنّ العمل في الحالتين واحد، والعقوبة كذلك.

في الحدث الصادم الذي جرى، كثير من العظات، التي قد تدخل كتاب التاريخ، ويمكن العثور عليها في باب: كيف تحطم منجزاتك وتهوي بمكتسباتك .. بقائمة واحدة فقط.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة