انهيار "دولة القانون"

ما حصل ظهيرة الاثنين لم يكن مجرد صفقة سياسية لتكليف العبادي بتشكيل الحكومة، بل كان أولاً من أكثر المواقف المسؤولة التي اتخذت.

الثلاثاء، 12-08-2014 الساعة 11:01


ما حصل ظهيرة الاثنين لم يكن مجرد صفقة سياسية لتكليف العبادي بتشكيل الحكومة، بل كان أولاً من أكثر المواقف المسؤولة التي اتخذتها ثلة من الساسة من مختلف الأطراف، حين مارست هذا الإجراء الدستوري "تحت التهديد المباشر".

وما حصل، لم يكن له أن يحصل بهذه السرعة، وبتنازلات اللحظة الأخيرة، إلا حين استوعبت القوى العراقية المطالبة بالإصلاح، أنها أمام اختبار تاريخي، يطالبها بالإجابة عن تساؤل: هل يمكن أن يظهر فصيل سياسي ليلغي إرادة البرلمان باستخدام جيش الوطن، ضد الحياة الدستورية؟

وقد صار في وسعنا الآن أن نقول بلغة أوثق، إن الأداء السياسي للأحزاب ينضج ويتطور، ويعثر على إجابات أعمق لهذه التساؤلات. فاللحظة التي مرت في مكتب الرئيس معصوم أمس نقلتنا بين مناخين وتصورين. الأول كان يفترض أن في وسع السلطان وتهديداته، أن يضغط على معصوم، ومن باب أولى على سليم الجبوري رئيس البرلمان، وأن السياسة في العراق مجرد تهديد وشراء ذمم وأنانيات وعصبيات قومية وطائفية. وهكذا فهم المالكي -مخطئاً- السياسة، وإلى أسوأ نهاية لحياته السياسية وصل، بسبب هذه المقاربة.

أما ما حصل في مكتب معصوم، فقدم لنا دليلاً إضافياً على أن في وسع الطبقة السياسية، رغم كل أخطائها، أن تنقل طريقة العمل إلى فضاء أرحب، فقد قدمت أداء انطوى على التحدي، لا لمسلحي المالكي فقط، بل لإرادات عديدة خارج الحدود كذلك، وصرنا الآن أمام فرصة كبيرة لبناء الثقة، أتاحت للأحزاب الرئيسية أن يواجهوا الخطر ويتقدموا نحو مرحلة تطبيق الإصلاح السياسي، كفرصة أخيرة لإنقاذ العراق.

لقد انهار ائتلاف دولة القانون، لأنه بنى على مشروع بلا مضمون سوى الطموح الشخصي غير المشروع. وقد كنا نتحدث طوال أسابيع عن ممكنات هذا الانهيار، وظل البعض يسخرون منا. وصرنا الآن أمام كتلة شيعية من ١٣٠ نائباً، ستتسع وتكبر حين يلتحق الآخرون، وهذه كتلة تجمع المؤمنين بضرورة الإصلاح السياسي، والتي رفضت المالكي على أساس أنه غير مؤمن بالإصلاح.

المالكي يقول إن دولة القانون مسجلة في الجلسة الأولى للبرلمان، ولا يريد أن يصدق أن كتلته انهارت، وانشق عنها عشرات النواب، وأن ظرف البلاد لا يسمح بالمزيد من التحايل المؤسف الذي لجأ إليه المالكي ومهدي الحافظ وبعض المحسوبين على السياسة والقانون.

لقد انهارت كتلة المالكي حين قرر أن يتمادى ويحرك الجيوش، ويصف رئيس الجمهورية وباقي المعارضين، بمن فيهم المرجعية الدينية، بأنهم "دواعش السياسة"، وقد انهارت كتلة المالكي يوم كان يسخر من آراء شركائه، ويتمسك بعناد قاد البلاد من أربيل إلى البصرة، إلى وضع لا تحسد عليه، وتركنا ضعفاء يسخر منا "الخليفة".

المالكي وحيد ومعزول، وقد وقف وحده دون تأييد تقريباً، من أي قيادي بارز في حزبه أو كتلته، ينادي بالشرعية، التي انتهكها هو كنهج بلا أي شعور مسؤول.

النقطتان الأساسيتان الآن، أن المجتمع الدولي وقف إلى جانب العراق في حماية الحياة الدستورية، وتبديد الطموح الشخصي للمالكي، وعلى هذا المسار أن يتواصل، وليس المالكي أول زعيم يتخيل أنه القادر الوحيد والشرعي الوحيد، طامعاً بإحراق التجربة والاستيلاء عليها. ونهاية هذا الطموح معروفة.

والنقطة الثانية هي مسؤولية الأطراف الوطنية في بناء فريق سياسي ماهر، يسارع إلى إيقاف الكارثة الوطنية، وها هي أوراق الإصلاح السياسي متاحة، كتبها الجميع وأضافوا إليها منذ اتفاقية أربيل ٢٠١٠، ودعمها العمل المنسق الجماعي في البرلمان السابق، بين كتل الحكيم والصدر وبارزاني والعراقية، وهو أداء أثبت لنا مراراً أن في وسع نواب البصرة والموصل، أن يعثروا على مشتركاتهم العظيمة، رغم بعد شقة الخلافات والمسافات، وأن في وسع أربيل والنجف أن يصوغا تسويات الإنقاذ.

ما حصل في مكتب الرئيس، إثبات جديد لوجود فرصة تصحيح. وما يفعله المالكي مجرد استمرار لنهجه الذي لا يسمع نصحاً، ولا يقلق من عاقبة.

حمى الله بغداد والعراق بأسره.

(المدى العراقية)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة