باقية.. وتتفجر!

فالتفجيرات نُفذت خارج مناطق نفوذها الجغرافي، أي أن قرار تنفيذ العمليات الثلاث كان مستقلاً إلى حد كبير عن السياقات المحلية التي تقتضيها التطورات على الأرض.

الاثنين، 29-06-2015 الساعة 13:53


ثمة أسئلة مشروعة فجرتها عمليات داعش الثلاث يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو/حزيران، والتي تمخضت عن دماء وأشلاء موزعة على ثلاث قارات، كان مسرحها: الكويت، تونس، وفرنسا. فتلك العمليات وُجهت لأهداف مدنية، في سياقات لا تمثل أي أهمية عسكرية أو استراتيجية مباشرة (مصنع ومسجد وشاطئ!)، فهل كانت داعش تتسلى بالتفجيرات بتلك الدول؟

الإجابة عن هذه الأسئلة "قد" تكشف جزءاً هاماً من الخصائص الغامضة لتنظيم داعش، فالتفجيرات نُفذت خارج مناطق نفوذها الجغرافي، أي أن قرار تنفيذ العمليات الثلاث كان مستقلاً إلى حد كبير عن السياقات المحلية التي تقتضيها التطورات على الأرض في مناطق نفوذ داعش، كما أن العقل المدبر لهذه العمليات اختار المكان والزمان والأهداف بأريحية تامة، لذا فإن استقراء خلفيات هذه العمليات يمكنه المساعدة في استخلاص جانب من "تصور داعش" الموضوعي والحاكم لهذه الأفعال، على فرض وجود مثل هكذا تصور!

ولتفكيك المشهد، يلزم تحديد السياق الذي تنشط فيه داعش؛ وهو سياق شديد التباين والتحديد، يرسم حدوداً دقيقة للأعداء الذين تحاربهم داعش ويشكلون محور صراعها وفقاً لأدبياتها، وهم حصراً الشيعة وإيران، وجميع الطوائف والأديان والمذاهب والملل غير الإسلامية، فضلاً عن المسلمين المخالفين لداعش بمنهجها. وببساطة، كل من هو خارج داعش هو عدوٌ لها ضمناً أو تصريحاً.

وفي التفجيرات الثلاث: كان الضحايا في مجملهم ينتمون لتلك المجموعة الهائلة من الأعداء الذين تقاتلهم داعش (الشيعة في الكويت، والسياح الغربيين -الكفار- في تونس، وأقرانهم -الكفار أيضاً!- في فرنسا) وبما أن داعش تشنّ حرباً على كل هؤلاء، فلا بد من تكامل مشهد حربي شامل يحوي الطرفين المهاجم والمدافع (أو الضحية)، ضمن إطار عام يحدد نوع هذه الحرب.

وسنفترض أن داعش تشن "حرب إبادة" على الشيعة في الخليج العربي (وحددنا "الخليج" "العربي" لأن داعش امتنعت حتى لحظة كتابة هذا المقال ومنذ نشأتها عن ضرب أي هدف مدني شيعي في العراق فضلاً عن إيران!)، وبدأتها بتفجيري القديح في السعودية والإمام الصادق في الكويت. ولضمان النصر (افتراضاً) في مثل هذه الحرب، لابد أن تتم إبادة المواطنين الشيعة في الخليج بمجموعة مجازر متصلة، تضمن ابتداء استفراد داعش بالمواطنين الشيعة حصراً (دون غيرهم من المواطنين السنة!) في الخليج، ودون وجود أي قوة دفاعية أمنية أو عسكرية في السياق الوطني الخليجي تردع عدوان داعش، فضلاً عن ضرورة وجود تفوق نوعي وعددي لداعش مقارنة بضحاياها المفترضين من الشيعة. وإذا استرجعنا بأن الشيعة يشكلون ما نسبته 30 بالمائة تقريباً من سكان الكويت، فضلاً عن أقرانهم في السعودية والبحرين وغيرها، فإن تفوق داعش على هذه النسبة الضخمة وإبادتها عرقياً هو ضرب من الخيال، فضلاً عن أن هذه الأقليات الشيعية تعيش في كنف منظومات حماية عسكرية وطنية، ولا يمكن أن تتجابه وجهاً لوجه مع داعش، كما هو الحال في العراق وسوريا (مثلاً).

لذا فإن فرضية أن داعش تشن حرب إبادة على الشيعة هي فرضية خاطئة، وذات الأمر ينطبق على السياق الغربي، إذ لا تستطيع داعش إبادة كل (الكفار) في القارة الأوروبية، اللهم إلا إذا امتلكت عدة قنابل نووية تهلك الحرث والنسل والغرب الكافر، لتظل داعش وحدها تحكم في الأرض، وهذا مستحيل!

إذن: إن لم تكن حرب إبادة، فما هو مغزى قتل مدنيين عُـزّل في مسجد أو مصنع أو شاطئ؟ الجواب المنطقي التالي، والذي يمكن تصوره وقبوله، هو أن داعش ستستفيد من الآثار الجانبية لإزهاق أرواح أولئك المصلين أو المصطافين، ونحن نقصد بالآثار الجانبية المخلفات التي تتركها تفجيرات داعش على المجتمع المستهدف، وتأثيرات تلك التفجيرات على نسيجه وأمنه الاجتماعي، وعلى استقراره السياسي.

لنفترض أن داعش تسعى لإشعال حرب مذهبية في الكويت (مثلاً لا سمح الله). هذا سيؤدي إلى إدخال الدولة والمجتمع الكويتي (بطرفيه السني والشيعي) في دوامة حرب أهلية، ستدمر السنة في الكويت كما ستفعل بأقرانهم الشيعة، وستشبه تلك المشتعلة في سوريا، وحينها ستتدخل إيران كما فعلت في سوريا والعراق، فهل التمكين لإيران هنا ينسجم وأدبيات داعش المناهضة لها وللشيعة؟ وهل تكسير بوابات الخليج الشرقية المواجهة لإيران يصبُّ في خدمة أهداف داعش، الدولة الإسلامية المفترضة التي تجابه الاستعمار الإيراني؟

ذات الأمر ينطبق على الحالة الغربية، إذ أن تسجير صراع ديني مسيحي-إسلامي في الغرب لن يُثمر سوى عن دمار لمكاسب المسلمين المتراكمة منذ سنوات، والتي أتت داعش (ومن قبلها القاعدة) لتدميرها، بعد أن "شحنت" بطاريات الحرب على الإرهاب بأفعالها الصغيرة غير المجدية، فهل هذا ينسجم وأدبيات دولة تسعى لحماية المسلمين والتمكين لهم؟

بما أن داعش لن تحقق هدفاً استراتيجياً واضحاً من تلك الضربات، فهل هي عبثية المقاصد؟ بالطبع لا يمكن تصور أن عقلاً بشرياً خطط لهذه العمليات ولغيرها عبثاً أو تبديداً للموارد التي يحصل عليها التنظيم؟ لكن يبقى السؤال: ما الجدوى لداعش من تلك التفجيرات التي تليق بتنظيم محدود، لا بجهة "تدعي" أنها دولة ذات مصالح، خصوصاً إن كانت الدولة المزعومة -بوضعها الحالي- مجرد منطقة نفوذ عسكري تسيطر عليها مليشيات؟ وهل فتح مزيد من الجبهات، عبر زرع وتفجير البشر عبر مختلف القارات، ذو جدوى عسكرياً لداعش؟

يبدو ألّا منافع ومكاسب سياسية أو استراتيجية أو أمنية أو عسكرية حققتها داعش بتلك التفجيرات الثلاث (فضلاً عن غيرها!)، وأن محاولة تصور سياق منطقي لأهداف استراتيجية محتملة حققتها داعش من تلك الهجمات أمر شديد الصعوبة. وهذا يقود إلى أن داعش، بحد ذاتها كتنظيم، إما أنها تمتلك رؤية قاصرة، وتصوراً ساذجاً مخترقاً، وإما أن ثمة ارتباطاً وانسجاماً بين الأهداف والخطط والتصورات العامة بين داعش وجهة خارجية ما.

سنفترض الاحتمال الثاني -جدلاً- ونقول بأن داعش تنفذ أجندة جهة ما خارجية عبر تلك التفجيرات، وسنعود ونكتشف أن تلك الجهة، ومهما تكن (وفقاً لنظرية المؤامرة!)، تسعى لنشر الفوضى والاستفادة من تفتيت المجتمعات المستهدفة من التفجير، إذ يبدو أن ثمة مناخاً ملائماً لتلك الجهة، بدق إسفين جديد بين الشيعة والسنة في الخليج "العربي"، وبين المسلمين (ذوي الغالبية السنية) في الغرب والمجتمعات الغربية، وإسفين آخر بين الغالبية المعتدلة من أطياف الإسلامي الوسطي في تونس، والحكومة المنتخبة التي تقف على حافة الربيع العربي! ومرة أخرى نقول بأن مثل هذه الأسافين يستحيل أن تمثل هدفاً إسلامياً مشروعاً لدولة إسلامية، صحيحة المنهج والتوجه!

ولا يهمنا كثيراً -في هذا السياق- التخمين ومحاولة تحديد تلك الجهة، بقدر ما يهمنا إسقاط تلك التفجيرات على داعش، كمنظمة يفترض أن لها مصالح وأهدافاً حققتها من تلك التفجيرات، والنتيجة المخيفة التي يمكن التوصل لها بعد المناقشة التي استعرضناها هنا، هي أن داعش "لا" تمتلك أي مشروع حضاري أو مصالح تسعى لاكتسابها، بل هي أداة للتفجير؛ أي أنها "باقية لتتفجر" حيثما حلت واتجهت، لتقسيم المنطقة وتحشيد زخمها البشري بين قطبين أو صفَين أو "فسطاطين!"، شيعة وسنة، كفار ومسلمون، غربيون ومهاجرون، متطرفون ومُـفَـرِّطون.. إلى آخره! فتمددها هو للتفجير، ولتبديد البنيان الاجتماعي، ولتكسير الروابط البينية بين الأعراق والطوائف المتعايشة، وكنا سنستوعب كل هذا لو أن ثمة سياقاً (ولو محدوداً) من المصالح كانت ستحققها داعش من كل هذا، ولكن عَـيـيـنا!

والمخيف أكثر أن هذا المشروع تم تنفيذه في العراق، ويُراد له أن يستمر، لإشعال حروب لا نهائية، وبلا أزرار إيقاف! تستمد وجودها وحطبها من الاختلاف الطبيعي بين البشر، بأديانهم وطوائفهم، إذ يستحيل "إبادة الشيعة" أجمعين، فضلاً عن استحالة "مسح السنة" من الوجود، كما أنه يستحيل نفي المسيحيين والصليبيين وجميع غير المسلمين إلى القمر!

ونترك القارئ ليخمن من هي تلك الجهة المتآمرة، أو المستفيدة، أو المُديرة لهذه الحروب العبثية، المهم في هذا السياق: أنه لا هدف واستراتيجية، ولا مكسب أو منفعة سياسية ذات جدوى، من تلك التفجيرات، سوى زراعة الفوضى! وللشعوب من بعد ذلك حق تقرير مصيرها: بالتشاحن والتطاحن أو التلاحم والتضامن!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

نشر صور لموظفين بالقنصلية السعودية وهم يحرقون وثائق فيها بعد يوم من مقتل خاشقجي