بحثاً عن مفهوم جديد للسياحة الخليجية

ليس تعسفاً القول بأنّ السلوك السياحي لدى المجتمعات كافة يتطلب الترشيد المستمر.

الأحد، 26-07-2015 الساعة 09:02


تصعد ناقلات الخليج الجوية إلى صدارة المنافسة العالمية، وتجتذب المنطقة ملايين السائحين من أنحاء العالم كما لم يحدث من قبل، ولكن ماذا عن ثقافة السفر الخليجية إلى العالم؟

مؤكد أنّ اتجاهات السفر إلى الخارج لم تبقَ على ما كانت عليه، فقد تعزز الإقبال على وجهات وانحسر عن أخرى، وطرأت تحولات نسبية في السلوك السياحي تستدعي البحث والتحليل. لكنّ تضخم السياحة الخليجية إلى العالم لا يعني أنّ المفهوم السياحي الملازم لها قد تطوّر بشكل ملموس.

فرغم ما تشغله مواسم السياحة والسفر من عناية في مجتمعات الخليج؛ لم يحظَ السلوك السياحي عبر نصف قرن مضى بإرشادات كافية، بل تُرك الناس وحدهم لاكتشاف السبُل دون تنوير أو توجيه. وقد يطيب لبعضهم اختزال مفهوم السياحة في تنقل عشوائي عبر جغرافيا العالم وفي تزجية اعتيادية للأوقات وفي إفراغ الجيوب في المرافق والأسواق.

ليس تعسفاً القول بأنّ السلوك السياحي لدى المجتمعات كافة يتطلب الترشيد المستمر، وهي مهمة لا استغناء عنها في الواقع الخليجي أيضاً، خاصة مع المساحة الزمنية المديدة نسبياً التي تقتطعها السياحة من حياة الخليجيين، بكل سماتها وظواهرها التي تستحق النظر والمراجعة. فمن حق السائح أن يحصل على نصائح نبيهة تعينه على تنمية وعيه السياحي؛ بدءاً من محاضن التنشئة الأسرية والتوجيه المدرسي، وانتهاء بمنابر الإرشاد الديني والتوعية الإعلامية.

ليست السياحة مفارقة للمكان وحسب؛ بل هي كتاب مفتوح، ومفتاح لتواصل إنساني مكثف وتفاعل ثقافي نشط، علاوة على ما تشتمل عليه من تبادل اقتصادي وخبرات متجددة. وإن كانت السياحة محاولة مفهومة للخروج من المكان والفكاك من نمطية المألوف؛ فإنها تغدو لدى بعضهم انعتاقاً مؤقتاً من الذات وتملّصاً نسبياً من التزامات الأفراد في مجتمعهم المحلي؛ حتى وإن كانت التزامات مشفوعة بتعاليم الدين أو مكارم الأخلاق. فالفرد قد يسعى للتصرف وفق مدونة السلوك التي يتصوّرها للبيئة التي يحطّ رحاله فيها، وإن لم يطابق تصوّره الواقع الفعلي في المجتمعات التي يقصدها.

من حق الباحثين أن ينشغلوا بتساؤلات شتى، مثلاً عن كيفيات اغتنام فوائد السفر وتجنّب تأثيراته السلبية، أو عن مردود السياحة على الأسرة الخليجية التي تعايش سياقات ثقافية مختلفة نسبياً عن منبتها، أو عن انعكاس هذا الانتقال المكاني على الاستعمالات اللغوية وما يجري على اللسان من المفردات والتراكيب.

ولا يصح في هذا المسعى إغفال تأثيرات السياحة والسفر على تشكيل وعي الأجيال بذاتها وبالآخرين، وتفاعلها الثقافي مع محيطها وعالمها. ثمة حاجة لترشيد إقبال الشباب على التعرف على بيئات جديدة، وتنمية اهتماماتهم في التفاعل مع عالمهم، وتعزيز فرصهم في الترويح وقضاء الأوقات بما ينفع.

على أنّ التفاعل مع العالم يسبق التحليق في الأجواء. فالأفراد يرتحلون إلى أصقاع البسيطة بمتابعاتهم الإعلامية، وبنقرات أناملهم على الشاشات المحمولة، أما السفر فيختزن فرصتهم لمطابقة الانطباعات المُسبقة والمعايشة الافتراضية مع ملامسة الواقع مباشرة. قد يحسب بعضهم مع ذلك أنه خالج لندن أو جنيف أو فيينا أو اسطنبول بمجرد الهبوط في مطاراتها والمبيت في فنادقها ومعاينة معالمها والتجوال في أسواقها. إنها ملامسة أفقية تلحظ العالم الظاهري المخصص للسائح، حيث ترتدي الوجوه أقنعة الابتسامة والتودّد. وغاية القول أنّ إدراك المجتمعات والثقافات يتطلب نظرات أعمق من المعاينات المتاحة في الجولات السياحية التقليدية.

ومن مسائل الترشيد ما يتعلق باختيار الوجهات وتوزيعها، خاصة وأنّ السياحة الخليجية تتخذ طابع التمركز الذي يكاد يختصر العالم في بلدان معدودة، ويختزل البلدان المقصودة في نقاط بعينها على خرائطها.

وإن حظي السائح الخليجي في الوجهات التي يقصدها باهتمام لا يكاد يضاهيه فيه غيره؛ فإنه امتياز يُعزَى عادة إلى قدرته الشرائية التي ينفق بموجبها أضعاف ما يجود به غيره. وإزاء المليارات التي يبذلها الخليجيون في أسفارهم، تبرز الحاجة إلى نقاش عن إمكانية توجيه أقساط منها لأبواب أجدى من الإنفاق، بما يقتضي مراجعة سلوك السفر وتطوير مفهوم السياحة النبيهة بعيداً عن الإفراط في الاستهلاك السياحي، حتى في زمن الوفرة. ولا ريب أنّ المجتمعات الخليجية قادرة بإمكاناتها وبمبادراتها الأهلية على خوض المراجعة إذا ما لمست حاجة إلى ذلك وأدركت الجدوى التي تتيحها بدائل الترشيد.

على أنّ الواقع الخليجي يشهد مساعٍ لا تخظئها العين في الاستدراك، مثلاً عبر محاولة إنعاش السياحة الداخلية، وصرف انتباه ابن المنطقة إلى مواقع ومعالم ما زالت محجوبة عن وعيه رغم أنّ معايشتها لا تتطلب ارتحالاً بعيداً أو تكاليف فائقة. إنها مع ذلك محاولات جزئية لا تُغني عن تطوير مفهوم جديد للسياحة الخليجية في الداخل والخارج.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة