برامج الأحزاب التركية للانتخابات بين خطاب الداخل والخارج

حزب الشعوب الديمقراطي وإن لم يطالب بحكم ذاتي للأكراد في الجنوب الشرقي لتركيا فإنه يطالب بنظام هرمي للمجالس المحلية.

الثلاثاء، 13-10-2015 الساعة 17:24


في الأيام القادمة يذهب الشعب التركي إلى انتخابات نيابية مبكرة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وهذه الانتخابات النيابية تحمل كثيراً من التحديات لكل الأحزاب السياسية التركية العشرين المؤهلة لخوض هذه الانتخابات بقوائمها الحزبية، وبالأخص الأحزاب الأربعة التي فازت في الانتخابات النيابية السابقة في السابع من يونيو/حزيران الماضي، والتي كانت بسبب عدم نجاحها في تشكيل حكومة ائتلافية سبباً للدعوة إلى انتخابات مبكرة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني القادم؛ وهي حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي، فكل هذه الأحزاب لم تنجح بتشكيل حكومة ائتلافية أولاً، ولا تمرير حكومة أغلبية من حزب واحد، كما تعود الشعب التركي ذلك طوال ثلاثة عشر سنة الماضية، حيث كان تصويت الشعب التركي مثبتاً مرة تلو الأخرى لحزب العدالة والتنمية في مجلس النواب والحكومة معاً دون منافس حزبي، وهذا الانفراد الطويل نسبياً لحزب العدالة والتنمية في السلطة منذ عام 2002 وحتى السابع من يونيو/حزيران الماضي قد أثر صعوبة على تشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب السياسية بعد تلك الانتخابات، ولكن المشكلة التي واجهتها تركيا منذ تلك الانتخابات لم تتوقف على فشل تشكيل الحكومة الائتلافية أو الدعوة إلى إعادة الانتخابات النيابية، وإنما المشكلة أو المشاكل ما صاحبها من عمليات توتر وخطاب متشنج بين الأحزاب التركية ضد بعضها بعضاً أولاً، وضد نفسها ثانياً.

لقد فرضت نتائج الانتخابات السابقة على كل الأحزاب التركية مراجعة نفسها، وبالأخص في البحث عن كيفية تحسين نسبة التصويت إليها في الانتحابات القادمة، وهذا تطلب أن تكون هناك مراجعة للأحزاب التي كانت تتوقع نجاحاً أكبر، وبالأخص حزب العدالة والتنمية الذي تفاجأ بالنتائج السابقة، لمعرفة أسباب التراجع، وبالتالي وضع الخطط والبرامج الانتخابية على أساس هذه المراجعة الداخلية، ولذلك تقدمت كل الأحزاب السياسية ببرامجها ووعودها الانتخابية للانتخابات القادمة، وهي تأمل أن تكون هذه البرامج مقنعة أكثر للناخب التركي، وبالنظر إلى برامج الأحزاب السياسية الأربعة فإننا سنجد الأحزاب السياسية الثلاثة حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية قد قدمت برامجها الانتخابية بمئات الصفحات، وقد وجهت خطابها إلى الشعب التركي وقضاياه الداخلية، بينما نجد أن حزب الشعوب الديمقراطي ذا التوجه الكردي القومي يوجه خطابه الانتخابي من خمسين صفحة تقريباً إلى إرضاء سياسات الدول الأوروبية، وليس الشعب التركي، وهذا أمر ملفت للنظر والتحليل.

إن حزب الشعوب الديمقراطي وإن لم يطالب بحكم ذاتي للأكراد في الجنوب الشرقي لتركيا فإنه يطالب بنظام هرمي للمجالس المحلية، يشبه نظام اللجان الشعبية في النظام الليبي السابق، وهذا الحزب من خلال وعوده يختلف في مفهومه للديمقراطية بما يصفه بالاستقلالية الديمقراطية، والديمقراطية المحلية، ويعارض النظام الرئاسي معارضة شديدة جداً، ويتحدث عن الديمقراطية الاستقلالية، والنظام السياسي الذي يطرحه هو كنظام سياسي لا مثيل له في العالم من قبل، والقضايا التي ركز عليها الحزب في برنامجه هي:

1 ـ يطالب برنامج حزب الشعوب الديمقراطي بالاعتراف بالمجازر التي ارتكبتها الدولة التركية قديماً وحديثاً، ويطالب بأن تقوم الحكومة التركية بالاعتراف بهذه المجازر والتعويض عنها، وهو وإن لم يذكر أسماء المجازر التي يريد الاعتراف بها، ولكن التعميم يشمل ما يوصف بالمجازر الأرمنية التي تتهم بها الدولة العثمانية، أو المجاز التي تعرض لها الأكراد في المرحلة الأولى لتأسيس الجمهورية التركية، على أيدي حكومات حزب الشعب الجمهوري، فهذا المطلب لحزب الشعوب الديمقراطي يرضي القوى الخارجية التي تضغط على تركيا للاعتراف بالمجازر التي لم ترتكبها الدولة العثمانية، بل كانت ضحية لها، وجعل هذه النقطة في البرنامج الانتخابي سوف يغضب الناخب التركي، مما يؤكد أنها مطالبة تخاطب الخارج وليس الداخل التركي ولا الشعب التركي.

2 ـ طالب حزب الشعوب الديمقراطي في بيانه الانتخابي بإقرار حقوق المثليين الجنسيين، وهذا يتعارض مع قيم المجتمع التركي والكردي معاً، والمثليون الجنسيون في تركيا لا نسبة لهم تؤثر في الانتخابات النيابية، ولكنها موجة أوروبية وأمريكية في التغرير بحقوق الإنسان الغربي وتعميمها على الشعوب الأخرى.

3 ـ وعد حزب الشعوب الديمقراطي أن يلغي قوانين مكافحة الإرهاب المعمول بها الآن في القانون التركي، ويعد الحزب أن يلغي مجلس الأمن القومي التركي، ويعد بإلغاء قوات مكافحة الإرهاب من رجال الدرك وغيرها، وفي هذه النقطة يخالف الأحزاب السياسية التركية الثلاثة، التي تطالب الدولة والحكومة بمكافحة الإرهاب على أساس قانوني وقضائي وتطبيقاً للقانون.

4 ـ يستخدم حزب الشعوب الديمقراطي مصطلح الحرب الشرعية في وصف العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني، بينما ينظر الشعب التركي إلى هذه الحرب الإرهابية على أنها قتل للشعب التركي وجنوده ورجال أمنه ومواطنيه.

هذه بعض النقاط التي جعلها حزب الشعوب الديمقراطي في برنامجه الانتخابي، وقد قدمها قبل وقوع تفجيرات أنقرة في 2015/10/10، ولذلك فإن الناخب التركي والكردي لن ترضيه الخطابات الاستفزازية التي تسترضي المطالب الخارجية الأوروبية أو الأمريكية بوصفها برامج انتخابية، بينما لا تخاطب مطالب الشعب التركي وحاجاته.

ولذلك فإن السؤال المفترض هو: لماذا يوجه حزب الشعوب الديمقراطي خطابه إلى الخارج بدلاً من الداخل؟ أو لماذا يركز على الخارج أكثر من الداخل، فمن عادة الأحزاب السياسية في الانتخابات البلدية والنيابية أن توجه خطابها الانتخابي إلى الناخب في داخل تركيا، بل قد يخالف سياسته الخارجية بحجة كسب ثقة الشعب في الانتخابات، أو على الأقل أن يكون منسجماً في خطابه مع هوية الشعب التركي وتحدياته القائمة، وهذا ما فعله حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية؟

قد يكون من الصعب القول بأن حزب الشعوب الديمقراطي لا يسعى للفوز في الانتخابات القادمة، فلو أراد ذلك لقاطع الانتخابات من أصلها كما أشاع وهدد قبل أسابيع، ولكن دخوله الانتخابات يعني أنه يريد الفوز، أو أنه يريد أن يمرر رسالة تعريفية بنوعية هذا الحزب عالمياً وليس وطنياً، وربما هو أقرب إلى الشعور بخسارة الانتخابات القادمة، لدرجة قد تفقده تجاوز الحاجز الانتخابي 10%، فقد خسر الكثير من مؤيديه بعد العمليات الإرهابية الأخيرة، وبالأخص أصوات الأكراد الذين فقدوا ثقتهم بقيادة حزب العمال الكردستاني، وبالأخص قيادة حزب العمال الكردستاني التي كانت في جبال قنديل وخططت للعمليات الإرهابية قبل هربها إلى إيران وسوريا للحماية في كنف الحرس الثوري الإيراني، بعد العمليات الجوية التي قام بها سلاح الجوي التركي على قواعدها في جبال قنديل، لمعاقبتها على التخطيط والتنفيذ للعمليات الإرهابية التي أودت بحياة أكثر من 160 عسكرياً ومدنياً تركياً في الأشهر الثلاثة الماضية، فضلاً عمّا أحدثته تلك العمليات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني من ضعف للاقتصاد التركي وهبوط لليرة التركية، وتدني مستوى قدرة المواطن التركي الشرائية على تلبية حاجاته اليومية.

بعد هذا الخطاب والبرنامج الانتخابي لحزب الشعوب الديمقراطي المتناقض، جاء تفجيرا أنقرة وسقوط خمسة وتسعين قتيلاً وجرح أضعافهم، لتلقي على الشعب التركي ثقل العمليات الإرهابية، بغض النظر عن مصدرها، إن كانت من حزب العمال الكردستاني الارهابي أو من تنظيم داعش أو من حزب جبهة التحرير اليسارية أو غيرها، فالأعمال الإرهابية لا يمكن قبولها في تركيا، ولا قبول من يخططون لها ولا من ينفذونها، ولا من يسكتون عن إدانتها، ولا من يرفضون المشاركة في جنائز شهدائها من الجيش التركي أو من المواطنين المدنيين الأبرياء.

إن مهمة الانتخابات القادمة في تركيا هي أن تكون موقفاً ضد الإرهاب ومن يتبناه، ومن يرفض قوانين مكافحة الإرهاب التي تحمي الشعب التركي من الإرهابيين وجرائمهم، والمواطن التركي وبغض النظر عن قوميته مطالب أن يقرأ البرامج الانتخابية، ويصوت لمن يتبنى القضايا الداخلية والتي تهتم بقضاياه ومشاكله وحاجاته بوصفه مواطناً تركياً، وأن لا يكون تصويته للبرامج فقط، وإنما لمن يقدر ويستطيع أن ينفذ برنامجه الانتخابي، وبالأخص من أثبت جدارة وثقة ومصداقية في تنفيذ برامجه الانتخابية في المرات السابقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

واس: التحقيقات مستمرة مع الموقوفين على ذمة القضية والبالغ عددهم 18 شخصاً جميعهم من الجنسية السعودية

عاجل

واس: الرياض تعلن وفاة جمال خاشقجي إثر شجار داخل قنصلية بلاده في إسطنبول

عاجل

واس: أمر ملكي بإعفاء أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات العامة من منصبه