بشار الأسد هو من أحرق معاذ الكساسبة!

المشاعر "الإنسانية" للمجتمع الدولي استيقظت فجأة من سباتها العميق، فقد كانت مهيأة للصدمات بعد حادثة الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو".

الجمعة، 06-02-2015 الساعة 12:49


أثارت عملية إعدام الأسير الأردني معاذ الكساسبة من طرف تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف اختصاراً بـ "داعش"، الكثير من الصدمة غير المسبوقة في كل أرجاء العالم.

المشاعر "الإنسانية" للمجتمع الدولي استيقظت فجأة من سباتها العميق، فقد كانت مهيأة للصدمات بعد حادثة الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية التي أجّجتها إلى أبعد حدودها، بفضل الإعلام الثقيل الذي نجح في تسويق الصدمة وترسيخها في المخيال العام لشعوب العالم.

بلا أدنى شكّ أن تنظيم "داعش" اختار الوقت المناسب والطريقة التي يراها مناسبة وفق تقنيات هوليودية مناسبة لمثل هذه الدعاية المرعبة، من أجل تحقيق غايته الأولى في تبليغ الصدمة لكل البشر على وجه الأرض، وكلما تزايدت الصدمات وارتفعت حدّتها، كلما تبختر البغدادي بين أتباعه لأنهم حقّقوا كل ما يصبون إليه من عملية حرق معاذ الكساسبة بتلك الصورة المفاجئة وغير المتوقّعة.

أجزم أنه يوجد أسرى آخرون في زنازين التنظيم الدموي سيتفنّن –إن صح التعبير– في عمليات قتلهم ربما يصل العقل "الداعشي" لدرجة طبخهم أحياءً وتقديمهم كوجبات للكلاب الضالة والجائعة، فلو لم يكن محرّماً أكل لحوم البشر، إن لم يفاجئنا شيوخ "داعش" بنصوص وتأويلات جديدة لا نعلمها ربما تدخل في إطار "عاقبوا بمثل ما عوقبتم" والمسلمون في بورما يتعرضون للذبح والطهي والأكل، ما استبعدت تقديمهم كوجبات ساخنة لمقاتليه على مرأى كاميرات متطورة جداً يقودها مخرج هوليودي سيبدع في زعزعة العالم ببشاعتها.

أكبر خدمة يقدمها العالم لتنظيم "داعش" هي المبالغة في الصدمة من هول الجريمة الشنعاء المتمثلة في حرق الكساسبة حيّاً، وتزداد هذه الخدمة فعالية لما يتجاهل هذا العالم محرقة أخرى مورست فيها كل الوحشية لمنتهى الشناعة، ولكن للأسف لا يتم التصوير إلا في فيديوهات مسرّبة تظهر حرق أسرى حتى الموت، وسلخهم وقطع أجهزتهم التناسلية وتهشيم رؤوسهم بالصخور ومشاهد بربرية مختلفة.

نعم.. إنها محرقة بشار الأسد التي عمرها أربع سنوات تقريباً، مارس فيها شتى أنواع الحرق وصل للأطفال والنساء والمرضى والشيوخ العجزة، وحدث في سجونه ما لم يخطر على عقل بشر، من تجويع حتى الموت، وسلخ جلد المعتقلين وهم أحياء، وتهشيم ضلوعهم، وتقطيع أوصالهم، وسرقة أعضائهم، وتقديمهم للكلاب الجائعة، واغتصابهم من قبل تيس مدرّب، وذبح الأطفال بخناجر مكتوب عليها شعارات طائفية مقيتة.

لم يتوقف الأمر عند هذا، فالبراميل المتفجّرة وصواريخ سكود ومجزرة الكيمياوي ومحاصرة المدنيين في الغوطة واليرموك وحمص وغيرهم حتى صار المحاصرون يقتاتون من الحشائش والقطط والفئران والحشرات ويشربون من المجاري، وهذا كله أبشع بكثير من بشاعة حرق الكساسبة وهو على قيد الحياة.

هذه الوحشية التي مارسها بشار الأسد وخلفه إيران وروسيا ودول عربية وغربية مختلفة، ما كانت ستصنع وحشية مضادة، لو أن المجتمع الدولي قام بواجبه القانوني والأممي تجاه هذه المحرقة التي لم يسبق لها مثيل، حتى الهولوكست النازي كان أرحم بكثير، على الأقل أن هتلر لقي مصيره وتصدى له العالم، والآن يجرّمون كل من يتجرّأ ويثني على النازية أو يطعن في محرقة اليهود ولو على سبيل البحث والتحرّي العلمي والتاريخي.

لقد سبقت محرقة بشار الأسد محارق أخرى أقل فظاعة، منها تلك التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، حيث قتل الملايين بالأسلحة الفتاكة منها الفوسفور الأبيض، الذي يجعل لحم الإنسان يذوب وهو حيّ وأمام أهله وذويه، ويكفي ما نرى الآن في العراق من تشوّهات للمواليد الجدد، كدلالة واضحة على حجم الجريمة التي مارستها واشنطن من أجل أن تحقّق غايتها في إسقاط نظام صدام حسين، وتمكين الصفويين من السيطرة على دولة كانت تتصدى لمدّهم الخميني.

من يتوقع أن وحشية الولايات المتحدة في العراق، لا تصنع وحشية مضادة فهو واهم جداً. ويزداد اليقين أكثر لو تتبعنا مسار الحكومات الطائفية المتعاقبة على بغداد، والتي اقترفت مليشياتها شتى أنواع الإجرام الطائفي من قتل على الهوية وحرق للأبرياء واغتصاب للنساء وذبح للأطفال وحرق للبيوت.

لقد كان البغدادي ومن معه شهود عيان على جرائم تقترف في سجون الاحتلال الأمريكي في "أبوغريب" وغيره، وهناك حدث له أو ربما شاهد بعينيه ما يحدث في حق النساء والرجال مما يندى له الجبين. وكان الذين يساعدون البغدادي بدورهم شهود عيان على جرائم أخرى اقترفها بشار الأسد في سجن صيدنايا وغيره، فضلاً عما كان يفعله شبيحة النظام عندما يقتحمون الأحياء والقرى وينكلون بالأهالي لدرجة إجبار الابن على اغتصاب أمه أو أخته وإجبار الأب على فعل ذلك مع بناته، والحرق بلا أدنى شك أرحم من هذا الإجرام الذي فاق الحدود.

فهل نتوقع من هؤلاء الذين تشبّعوا بالحقد والكراهية المضادة أن يوزعوا الورود على جلاديهم لما يغادرون تلك السجون؟

هل نتوقع من هؤلاء أن يرحموا من يقاتلهم لما يتمكّنوا منه وذاكرتهم متشبّعة بمشاهد الذل والهوان الذي تعرضت لهم عوائلهم قبل إبادتها؟

لم ولن أبرّر وحشية أي طرف مهما كانت عدالة قضيته ومهما كانت ملّته، ولكن يجب أن ننظر بعدل ونزن الأمور بالقسط، حتى نعالج الإرهاب الذي يجري في المنطقة العربية المنكوبة، والذي سيأتي بإرهاب آخر أشد وأنكى يطال حتماً كل القارات الخمس.

من جهة أخرى يوجد أمر لا يمكن تجاوزه أبداً، وهو أن تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق كان بسيطاً وصغيراً، وفجأة تحوّل إلى قوة لا تقهر وتحت تسمية جديدة، وهذا بفضل مساعدات بطرق مختلفة قدمتها له المخابرات الإيرانية والعراقية والسورية، حيث إن بشار الأسد الذي جاء بمليشيات إرهابية إيرانية مثل "حزب الله" أراد أن يأتي أيضاً بمليشيات متطرفة من الجهة الموالية له، حتى يحرق المنطقة بحرب طائفية عمل على إذكائها منذ اندلاع الثورة على نظامه، وأيضاً يخلط أوراق الثورة السورية ويرعب العالم من هذا الإرهاب المتصاعد.

في هذا السياق أكدت وثائق استخباراتية مسرّبة، أن أول من اقترح تسهيل مرور تنظيم "الدولة" إلى سوريا هو حسن نصرالله، الأمين العام لـ "حزب الله"، حتى يعطي مصداقية لحربه المعلنة ضد ثوار كان يسميهم بـ "التكفيريين" والذين كانوا غير موجودين أصلاً في المشهد السوري.

تمّ الاتفاق في بيروت بين مخابرات إيران والعراق وسوريا و"حزب الله" على رفع الحراسة المشدّدة على الحدود العراقية السورية، وتسهيل فرار المتهمين بالإرهاب من السجون. وهو الأمر نفسه الذي حدث من الجانب السوري، حيث إن جيش الأسد كان يفر من ثكناته ويترك الأسلحة الثقيلة خلفه لما يهاجمه عناصر من تنظيم "الدولة"، وهو ما حدث أيضاً في الموصل حيث هرب جيش المالكي الذي يقارب مائة ألف عسكري تاركاً الأموال بالمليارات والأسلحة الفتاكة ومن مختلف الأنواع لصالح مجموعات لا تتجاوز 5 آلاف مقاتل مدججين بأسلحة عادية.

مما ذكرنا فإن الذي يتحمّل مسؤولية دماء معاذ الكساسبة وغيره، هو نظام الأسد ومعه إيران التي ساهمت بطرق مختلفة في تحويل سوريا والعراق إلى مستنقع نجس، سواء عن طريق وحشية مورست في الحرب على الشعب السوري أو بالعمل الاستخباراتي القذر الذي يصنع المنظمات الإرهابية المتشدّدة.

يجب قبل أن نمضي إلى الأمام، أن نتساءل عن الأسباب الحقيقية التي تجعل المنطقة العربية تغرق في مستنقعات من الوحشية التي ستبقى تتصاعد حتى تبلغ درجة لم تخطر على المخرجين المتخصصين في أفلام الرعب، إن لم نعالج الأسباب الرئيسية ولا نبقى ندور حول الأعراض فقط.

لقد كانت وحشية الجماعات الجهادية في مصر والجزائر وباكستان وأفغانستان كبيرة، ولما جاء تنظيم "القاعدة" صار الناس ينظرون لتلك الجماعات على أنها حمامات سلام ورحمة. ولكن الوحشية لم تتوقف عند ذلك الحد فقد جاء تنظيم "داعش" وجعل الكثيرين ينظرون لتنظيم "القاعدة" نظرة أخرى مغايرة تماماً، وظهر عندهم هذا التنظيم كأنه من جمعيات حماية الطفولة المسعفة مقارنة بجرائم "داعش".

بلا أدنى شك أن حرق الكساسبة بتلك الطريقة الهوليودية هي جريمة نكراء بكل المقاييس، ولكن لم يحرق الكساسبة فقط، فقد أحرق بشار الأسد بصواريخ سكود وبراميل متفجرة الكثير من القرى على رؤوس المدنيين منهم الأطفال الرضّع، وأحرق الجرحى في المشافي.

كما أحرق الجنرال عبد الفتاح السيسي معتصمين مدنيين في رابعة العدوية، وأحرق المالكي في العراق الكثير أيضاً من "أهل السنّة" في إطار حرب طائفية تديرها مخابرات إيران.

ولكن للأسف كل هذه الجرائم تجري من دون أن يراها العالم موثقة بالصوت والصورة، وإن تسرّب منها شيئاً سيطاله التشكيك لأنها من مصادر مجهولة، حتى ولو كانت الصورة واضحة وتظهر أشخاصاً في زيّ عسكري يحرقون مدنيين.

إن ما فعله بشار الأسد في سوريا، وتفعله إيران في العراق وكل بقعة تصل إليها بمليشياتها، هو أوحش وأقذر وأبشع بكثير من عملية إعدام معاذ الكساسبة التي اقترفها تنظيم "داعش"، وأراد منها تسويق الصدمة والإرهاب والرعب في كل أنحاء العالم، وقد زادت نشوته بجريمته لما أُعلن عن تجميد الإمارات لدورها في التحالف، بسبب عدم حماية الطيّارين، وهذا بحدّ ذاته سيحفزه على المضي قدماً في ممارسة ماهو أقبح بكثير.

وأهم من كان يعتقد أن تنظيم "داعش" كان سيفرج عن الكساسبة، فالتنظيم لا يهمه المال لأنه يمتلك النفط وخزائن لا حدود لها، ولا تهمه ساجدة الريشاوي ولا غيرها، بقدر ما يهمّه المشهد الذي يريد تسويقه للعالم من خلال طيّار هو مكسب ثمين لا يمكن التخلّي عنه أبداً، ولهذا كان يتلاعب بمشاعر الأردن والمجتمع الدولي من أجل تحضير الأرضية لصدمة عابرة للقارات.

لا يمكن القضاء على تنظيم "داعش" من دون حلّ جذري للإرهاب الإيراني الممارس في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وسيصل إلى مناطق أخرى في المستقبل غير البعيد، ومن يعتقد غير ذلك لا يفهم شيئاً في مثل هذه الصراعات النجسة التي تتبارى بالفعل ورد الفعل وفق ما يخدم مصالح قوى تتصارع في الظل.

تمّ حرق معاذ الكساسبة بوحشية كبيرة، ولكن سيتم حرق غيره بطرق أبشع، ما دام العالم لا يريد أن ينظر بعمق إلى أسباب هذا الإرهاب الذي ظلت أمريكا تصنعه منذ 2001 بدل أن تحاربه.

يكفي أنه في بداية حربها على الإرهاب كانت "القاعدة" تتكوّن من أفراد يعيشون في ظل طالبان بأفغانستان، وبعد مرور 15 سنة تقريباً تحول الإرهاب من كائن هلامي إلى كيان تجسّد في دولة مساحتها تعادل بريطانيا، ووحشيتها في حق خصومها على الأقل لا تضاهيها إلا وحشية جنكيز خان والحملات الصليبية على العالم الإسلامي.

لا يجب أن نلوم السوريين إن صاروا جميعهم من "داعش"، فالوحشية التي تعرضوا لها على مدار أربع سنوات تقريباً لا يمكن وصفها، ومن اكتوى بنيران بشار الأسد لا يلام إن صار داعشياً يصدّر الحريق إلى كل من راح يتفرج عليه أو يتلذّذ به وهو يحترق.

في الأخير أقول للشعب الأردني:

إن ثأركم عند بشار الأسد وليس عند البغدادي الذي هو وجه آخر لعملة الإرهاب الإيراني الذي لا يستثني أحد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة