بعد خراب العراق

كل ما جرى في العراق منذ 2003 وحتى اليوم ما هو إلا سلسلة في حلقة أمريكية معدة مسبقاً للمنطقة، بدأت بالعراق، ولا تريد أن تتوقف.

السبت، 09-07-2016 الساعة 14:00


لم تعد البصرة، بعد خرابها، مضرباً للمثل، كما كانت، فلقد حل العراق، كل العراق بديلاً معادلاً لها، وبات المثل الأكثر دقة، بعد خراب العراق، فحتى البصرة يوم أن خربت وضرب بها المثل إبان حركة تمرد الزنج في خلافة المتوكل ما بين 255ه -270ه لم تشهد ما شهده العراق منذ 2003 وحتى يومنا هذا، فكتب التاريخ تشير إلى أن حركة الزنج وتمردهم الذي امتد إلى مناطق قرب البصرة واستمر لسنوات صودرت معه أملاك الأغنياء، لم تعرف كل هذا الموت المجاني الذي شهده العراق منذ غزوه حتى يومنا هذا.

يتوهم من يعتقد أن الخلل في غزو العراق كان مبنياً على معلومات مغلوطة، كما أشار السير جون تشيلكوت في تقريره الذي استمر لعدة سنوات حتى أنجز، والذي لم يدن بشكل صريح وواضح الغزو بقدر ما كان إدانة لتصرفات رئيس حكومة بريطانيا آنذاك الذي استعجل الغزو بناء على معلومات مضللة، زود بها من طرف المخابرات الأمريكية وسارع إلى الدخول في الحرب دون وجود خطة واضحة المعالم.

وواهم أكثر من يعتقد أن غزو العراق كان يمكن أن يؤدي إلى إقامة نظام وطني حر غير ديكتاتوري، رغم كل الدعم الذي لقيه الغزو، من أطراف عربية باتت اليوم تهاجم ليل نهار من أقلام شيعية ذات تبعية إيرانية؛ بحجة أن العرب رفضوا التجربة الديمقراطية الجديدة بالعراق لأنها أفضت إلى نظام شيعي لأول مرة بالعراق منذ العام 1921، فالكل يعلم أن غزو العراق كان بمباركة عربية واسعة، والكل كان يريد التخلص من نظام صدام حسين الذي غزا جاره الكويت عام 1991.

كل ما جرى في العراق منذ 2003 وحتى اليوم ما هو إلا سلسلة في حلقة أمريكية معدة مسبقاً للمنطقة، بدأت بالعراق، ولا تريد أن تتوقف، هدفها إفراغ المنطقة من كل عوامل قوتها الكامنة تحت حكم أنظمة شمولية قمعية استنزفت كل مقدرات تلك البلدان.

لم يكن العراق سنياً، حتى يأتي الحكم ما بعد 2003 شيعياً وبالتالي يدفع العرب إلى رفضه، بل كان نظاماً علمانياً بعثيا، لم يتردد رأس النظام في إعدام أقرب المقربين له يوم أن شعر بخيانته، من وجهة نظره.

المشكلة أن ما جرى بعد 2003 لم يكن تدميراً ممنهجاً للعراق وحسب من قبل الغزاة الجدد، بل الأكثر من ذلك أن البلد تم تسليمه إلى إيران، طابوقة طابوقة، كما يقال، بل الأكثر غرابة أن يتم هذا البيع جهاراً نهاراً بين محور الشر والشيطان الأكبر، لنكتشف، بعد خراب العراق، أن كلا الشرين، أمريكا وإيران، لم يكونا سوى حليفين، على مدى عقود ثلاثة خلت، منذ أن جيء بالخميني من منفاه الباريسي على متن طائرة إير فرانس بعد ثورة شعبية إيرانية ضد الشاه، ليتولى مقاليد هذا البلد الأهم والأكبر والأخطر على العرب.

اليوم وبعد خراب العراق، وبعد هذا التقرير البريطاني الذي فضح جانباً من جوانب المؤامرة الكبرى التي تعرض لها العراق، ماذا على العراقيين أن يفعلوا؟

ببساطة لا شيء، فالتقرير أدان بلير لأنه لم يكن على درجة كافية من المعلومات التي تؤهله لاحتلال وغزو بلد عضو في الأمم المتحدة، والتقرير صمم أصلاً بعد دعاوى قضائية من أسر جنود بريطانيين قتلوا في العراق، وبالتالي فإن لا أحد سيقيم لك حقاً.

ثم وهذا الأهم، حتى لو أن هذا التقرير اعتبر الغزو، كل الغزو، كان خطأً، واقر بضرورة منح تعويضات للعراقيين، فمن يا ترى يمكن أن يقيم العدل في هذا العالم الأعوج.

لقد ركض قبلنا الفلسطينيون ومعهم العرب طيلة عقود وعقود خلف سراب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وركضنا من بعدهم كعراقيين، وجاء بعدنا السوريون، غير أن شيئاً لم يحصل؛ فالعدل في هذا العالم نسبي، يختاره القوي ليطبقه متى ما وجد مصلحة في ذلك، وخرقه متى وجد له مصلحة في ذلك.

خُرّبَ العراق، ومازال معول الخراب ماضياً فيه، وفي سنن الكون الكبرى، أن خراباً كالذي شهده العراق منذ 2003 وحتى يومنا هذا لا يمكن له أن يُرمم إلا بعد أن يخرج العالم من بوتقة الظلم الكبيرة التي وضع فيها. بوتقة المؤامرات الكبرى التي حكيت وتحاك في دهاليز عواصم القرار.

ربما هي لغة يائسة، ولكن قل بالله عليك، ماذا يمكن أن يصنع لنا مجتمعاً دولياً يقوده المال والمصلحة، وقبلهما إسرائيل التي لا ترى في العراق وسوريا سوى خنجر في خاصرتها الرخوة، من الضروري أن يكسر ويعاد كسره كل 100 عام، للأسف تلك هي الحقيقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة