بعد عاصفة الحزم لا بد من إعادة الأمل!

طهران تدّعي العداء للمشروع الغربي وهي تتحالف معه، فقد دعمت أمريكا في غزو العراق وأفغانستان.

الاثنين، 27-04-2015 الساعة 18:48


عاصفة الحزم بلا أدنى شك حققت أهدافها الاستراتيجية المعلنة في تدمير القدرات الصاروخية البالستية والأسلحة الثقيلة والقوة الجوية ونظم الاتصالات العسكرية لمليشيات الحوثيين، ونجحت في حماية عدن من الهجوم الحوثي، كما أنها رجحت الكفة للقوات المدافعة عن الشرعية، بعدما كادت أن تلتهمها قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ومليشيات الحوثيين الإرهابية.

خلال فترة ممتدة من 26 مارس/آذار إلى غاية 21 أبريل/نيسان من القصف الجوي، نجحت قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في تدمير قواعد صاروخية ومخازن أسلحة كبيرة جدّاً، وهي نتاج سنوات من التسليح الإيراني لهذه المليشيات المتمردة على سلطة الدولة اليمنية والموالية لـ"الولي الفقيه" في طهران.

عاصفة الحزم تمكّنت من قطع طرق الإمداد وحاصرت الحوثيين في مناطق عديدة، وقضت على عدد كبير من المسلحين وقادتهم، وفي الوقت نفسه دمّرت الكثير من قوات علي عبد الله صالح، الذي صار يترجّى المخرج الآمن والحوار السياسي بعدما صارت قواته تتفكّك، والتحقت بعض كتائبه بقوات الجيش المدافعة عن الشرعية.

لا يمكن من الناحية الاستراتيجية استمرار عاصفة الحزم بعدما حققت أهدافها، ووجب إيجاد بديل يعمل على الأرض من أجل حسم المعركة بصفة نهائية، خاصة أن الحوثيين صاروا يستعملون المدنيين دروعاً بشرية، بل يستهدفون بالقصف العشوائي الكثير من المستشفيات والأحياء السكّانية بإيعاز إيراني حتى تُتّهم قوات التحالف من قبل المنظمات الدولية بقتل المدنيين واستهداف العزّل في المشافي والمدارس وروضات الأطفال وغيرها.

عاصفة الحزم انطلقت في وقتها، ولو تأخرت يوماً واحداً لكان الحوثيون يعيثون قتلاً وتدميراً في عدن على غرار صنعاء، ولسيطروا على باب المندب الذي هو شريان الحياة في النقل البحري للنفط نحو أرجاء العالم. والأكثر من ذلك أن الحوثيين كانوا يستعدّون من خلال صواريخ بالستية لضرب عمق المملكة العربية السعودية، وخاصة أنه كان بحوزتهم صواريخ ذات مدى طويل، ومخاطرها تصل إلى أبعد نقطة في بلاد الحرمين الشريفين.

عاصفة الحزم فاجأت الخبراء العسكريين والسياسيين في طهران وأجهزة الاستخبارات الإيرانية، والأخرى الموالية لها في سورية والعراق ولبنان، وفاجأت أيضاً المجتمع الدولي؛ وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، التي لن تتجرّأ وتعترف، على الأقل حالياً، بصفعة المفاجأة لأنها في المخيال الأمريكي السياسي تعتبر إهانة كبرى لدولة عظمى، وصل بها الحال أن دولاً عربية تعتبر حليفة لها اتخذت قرار حرب في المنطقة دون الرجوع إلى البيت الأبيض.

بل الأكثر من ذلك أن مجلس الأمن لم يجد سوى مباركة المشروع الخليجي بخصوص الحرب على الحوثيين، ولم تتجرأ روسيا على استعمال حق النقض "الفيتو" ضد المشروع الخليجي، الذي سيكلفها الكثير خاصة على المستوى الاقتصادي.

لعل البعض يرانا نبالغ عندما نتحدث عن المفاجأة في توقيت عاصفة الحزم، رغم أنها الحقيقة، ولكن العقل العربي هيمنت عليه نظرية المؤامرة المطلقة، وسيطرت على تفكيره فرضية أن الدول العربية لا تتحرك إلا بمهماز أمريكي.

وللأسف صار الكثير من العرب يرون دولهم تحولت إلى مجرد "كنتونات" تأتمر بأوامر السفراء الأجانب وخاصة الأمريكيين، وهذا لم يأت من فراغ طبعاً بل مسيرة أغلبية الأنظمة الحاكمة وضعتها في هذه الشبهات، حتى صار كل ما يأتي منها هو أمر أمريكي، ولو كان كامل السيادة والقرار.

من جهة أخرى فإن إيران نجحت إلى حدّ بعيد في تشويه الدول العربية والإسلامية التي لم ترضخ لها، وخاصة المملكة العربية السعودية التي هي غصّة في حلقها من زمان، حيث صار الكثير من العرب للأسف الشديد يطبّلون لشعارات إيرانية معادية للأمة الإسلامية بكل جهل، وتحت عنتريات فارغة عن خدعة المقاومة والممانعة.

لقد قرأت للكثيرين عبر صفحات التواصل الاجتماعي يتحدّثون عن أن الحرب الوحيدة التي يجب أن يساندوها هي ضد الصهاينة في فلسطين، وكأن هذا الأمر - رغم مشروعيته الكاملة - يفرض على الدول العربية أن تسلم أعناقها للغول الإيراني الذي ما تمكّن من دولة عربية وزرع فيها طائفة موالية له، إلا وتحوّلت إلى مليشيات مدمرة ومخربة للبلاد والعباد.

إيران التي تدّعي المقاومة والممانعة وتروج أن حرب الأمة الإسلامية يجب أن تكون ضد "إسرائيل" فقط، هي بدورها تخوض عدة حروب في بلاد العرب، والحرب الوحيدة التي لم ترسل لها جندياً واحداً تجري في فلسطين.

بل إن طهران تدّعي العداء للمشروع الغربي وهي تتحالف معه، فقد دعمت أمريكا في غزو العراق وأفغانستان، بل تلتقي مع "إسرائيل" في غرفة نوم واحدة من أجل حماية نظام بشار الأسد الذي يبيد السوريين ويدمر الدولة السورية وكيانها.

إيران احتلت الأحواز عام 1925 قبل احتلال فلسطين بـ23 عاماً، ومساحتها تعادل ثمانية أضعاف للأراضي الفلسطينية. كما أشعلت حرباً طائفية قذرة في سوريا، وساهمت في احتلال العراق، ومليشياتها الشيعية وحرسها الثوري يقودون حرباً قذرة ضد الشعب العراقي عموماً وأهل السنّة بصفة أخص.

في اليمن السعيد حرّكت الحوثيين ودعّمتهم حتى أوصلوا البلاد إلى حرب أهلية، بعدما نجحت المبادرة الخليجية في خلع الرئيس صالح، وتجنيب اليمن مصير سوريا أو ليبيا.

أما في الشام فهي تدعّم نظام الأسد بالمقاتلين والسلاح والمليشيات، وقتلت حوالي نصف مليون سوري، وشردت الملايين ودمرت القرى والمدن.

- أين حرب إيران لتحرير القدس كما تدّعي؟

الجواب - طبعاً - أن إيران لا تخوض الحروب إلا ضد العرب وأهل السنة بالتحديد، فحتى فيلق القدس الذي صنعته لأجل القدس كما تزعم، لم يقتل جندياً إسرائيلياً واحداً، في حين قتل وجرح وشرّد وعذّب الملايين من العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين والأحوازيين والبلوش وغيرهم، سواء عبر كتائبه مباشرة أو من خلال قيادة ضباطه لمليشيات شيعية إرهابية تأتمر بأوامر "الولي الفقيه".

العجب العجاب أنه يوجد من ينتقدون عاصفة الحزم، ويتّهمونها بإشعال حرب أهلية في اليمن، هذا قد يكون صحيحاً لو أن اليمن كان هادئاً ومؤسسات الدولة قائمة والحوثية هم مجرد حزب سياسي نجح في الوصول للحكم عبر صناديق الاقتراع، وفي انتخابات نزيهة وشفافة، لو كان الأمر كذلك لكنت أول من سيتّهم السعودية بتقويض الاستقرار اليمني وتدمير أمنه.

لكن الأمر غير ذلك تماماً؛ فالحوثية وبالتحالف مع قوات الرئيس المخلوع الذي يقود ثورة مضادة على الشرعية، سيطروا على صنعاء بقوة السلاح، وقتلوا الآلاف من اليمنيين في مسيرتهم العسكرية، واقترفوا الكثير من المجازر في حق المدنيين العزّل.

الحوثيون كانوا يدمرون مؤسسات الدولة ويعتقلون الوزراء والمسؤولين، ويهاجمون الثكنات وينتقمون من كل يمني حاربهم أو وقف ضد مليشياتهم الطائفية.

والأخطر أيضاً، أنهم بدؤوا يحضّرون أنفسهم لاستهداف دول الجوار بصواريخ بالستية وعلى رأس ذلك السعودية، ضمن مخطط إيراني معروف، وكانت عيونهم على باب المندب حتى يتحكّموا في الحركة التجارية النفطية في العالم.

ترى بعد كل هذا، هل من الإنصاف أن نتّهم السعودية بإشعال حرب أهلية، وهي التي رعت مبادرة خليجية مكّنت الشعب اليمني من إسقاط صالح والنجاة من حرب أهلية على غرار سوريا وليبيا؟

بلا أدنى شك فإن عاصفة الحزم ضرورة مستعجلة جدّاً، ولو تأخّرت فيها السعودية لحدث ما لم يكن في الحسبان خاصة على حدودها مع اليمن، وكما أن هذه العاصفة كانت ضرورية فإن نهايتها في ذلك التوقيت وتطويرها إلى إعادة الأمل واجب استراتيجي للغاية.

الشعب اليمني، رغم الدمار والدماء التي سالت بسبب مليشيات الحوثيين، التي تأتمر بأوامر خامنئي في طهران، إلا أنه بفضل الله أولاً ثم عاصفة الحزم استعاد قوته وصار يطارد الحوثيين في الكثير من المناطق، وصار يحتاج إلى مرحلة أخرى غير القصف الجوي من قوات التحالف.

هذه المرحلة ضرورية جداً لاستكمال مهمة حماية المدنيين من مليشيات الحوثي، وأيضاً استعادة الدولة اليمنية لسلطتها وجيشها، وكل ذلك لا يمكن أن يحدث لو أن أمر التدخل العربي لحماية الشرعية بطلب من الرئيس الشرعي، اقتصر على القصف الجوي الذي سيحقق أهدافه بلا أدنى شك في تدمير القدرات العسكرية للحوثيين، لكنه سيتورّط في أخطاء كبرى عندما تنتهي تلك الأهداف، ويصل في النهاية إلى الوقوع في حرب استنزاف فقط لن تخدم سوى الحوثيين وخلفهم إيران.

لا بد من إعادة الأمل للشعب اليمني في تحرير بلاده من الوجود الإيراني، ولا بد من إعادة الأمل لليمنيين في استعادة شرعية مؤسسات دولتهم، بعد تحرير العاصمة صنعاء من عصابات الحوثيين، وهذه المرحلة التي ستكون عبارة عن عمل عسكري فيه كل شيء من قصف جوي وتحرك بري تقوم به قوات مناوئة للحوثيين والرئيس المخلوع، وأيضاً مبادرات سياسية تحقن دماء اليمنيين.

إيران دأبت على توريط المليشيات الموالية لها في حروب مدمرة للجميع، وهذا هدف ملالي استراتيجي، فإما أن يسيطروا على الدولة من خلال الموالين لهم، أو يدمّروها على رؤوس الجميع من أبناء الوطن الواحد، ولا يوجد خيار وسط أبداً في العقل الإيراني العنصري.

أكبر نجاح لعاصفة الحزم أن تحوّلت إلى إعادة الأمل بطريقة مفاجئة أيضاً، مما يوحي أن الأسباب عسكرية واستراتيجية؛ وهذا كي تجنّب اليمن ما تريده إيران التي لا تنظر في سياستها إلا إلى خيارين لا ثالث لهما؛ إما الحوثيون أو الخراب، والخيار الثالث الذي يزعج طهران ويعيدها للخلف عدة سنوات يتمثل في بناء الدولة خارج سلطتها، وهذا لن ينجح إن اقتصر الأمر على عاصفة الحزم فقط.

بعد أسابيع من العاصفة وأهدافها مشروعة، حيث أنه لا بد من تيسير إجلاء الرعايا الأجانب، وتكثيف المساعدات الإغاثية والإنسانية والطبية للشعب اليمني في المناطق المتضررة، وإفساح المجال للجهود الدولية لتقديم المساعدات الإنسانية، والتصدي للتحركات والعمليات العسكرية للمليشيات الحوثية ومن تحالف معها، وعدم تمكينها من استخدام الأسلحة المنهوبة من المعسكرات، أو المهربة من الخارج.

فضلاً عن إيجاد تعاون دولي، من خلال البناء على الجهود المستمرة للحلفاء، لمنع وصول الأسلحة جواً وبحراً إلى المليشيات الحوثية وحليفهم علي عبد الله صالح من خلال المراقبة والتفتيش الدقيقين.

هذه الأهداف التي وردت في بيان نهاية العاصفة، لا بد منها وهي أكبر أدلة على أن العاصفة لم تكن عدواناً سعودياً وعربياً وأمريكياً على اليمن، كما تدعي إيران ومن يحلب في أقداحها، بل هي حركة مقاومة لحماية الدولة اليمنية من العدوان الإيراني المدمّر.

أعتقد أنه بعد عاصفة الحزم التي اندلعت وانتهت في وقت دقيق ومناسب، كان لا بد من إعادة الأمل، عبر تحقيق أهداف أخرى تخدم الشعب اليمني ودولته، وهذا هو منطق الحروب العادلة وذات الأهداف النبيلة والمقدسة، وليست تلك الحروب النجسة التي هدفها الخراب والدمار، كما تفعل إيران في العراق وسوريا واليمن بحد ذاته وغيرها.

بالتأكيد بعد إعادة الأمل ستأتي مرحلة أخرى يقدر نوعها ولونها واسمها ومسميات أهدافها القائمون عليها، وهذا التغير في المراحل دليل على نجاح السعودية في تقويض المشروع الإيراني في اليمن، ونبقى كمختصين في ذلك، ننتظر مشاريع أخرى مضادة في كل من سوريا والعراق ولبنان والأحواز، حتى تتعافى الأمة العربية والإسلامية من وباء الخمينية العابرة للحدود والمدمرة للوجود.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة