بغداد.. ذات احتلال

بغداد كانت شبه خالية من أهلها، لقد غادروا قبل بدء المعركة، تعرف ويعرفون أنها الهدف وأنها الغاية.

الأحد، 09-04-2017 الساعة 11:28


أصعب شيء عليَّ هو أن تأتي الذكرى السنوية لاحتلال بغداد في التاسع من أبريل/نيسان من كل عام، وقتها أحار في الكلمات التي سأكتبها وأنا الذي أنجز رسالة الماجستير في ظرف أشهر ستة فقط ودون أي تعديل أو مراجعة.

صعبٌ جداً أن تمر الذكرى السنوية وأنا ألوك الكلمات المكرورة كل عام، عن احتلال وأوباش ومرتزقة ولصوص وقتلة وفاسدين وقطّاع طرق، عن إيران ومليشياتها وسرب من السياسيين الفاشلين الذين جاء بهم المحتل، ممن لم يشبع بطنه من فضلات المعونات التي كانت تُقدم له في منفاه، حتى وجد نفسه فجأة سياسياً ومسؤولاً يتحكم في ثروة واحد من أغنى أوطان الأرض.

لا أدري بأي كلمات سوف أستذكر بغداد في عامها الرابع عشر من الاحتلال؟ فلست مغرَماً بسرد الإحصائيات وما خلفته لنا ديمقراطية جورج بوش وما جلبته لنا دبابات العار من موت وإرهاب وفساد، لست مغرَماً بالحديث عما بات معلوماً، لا فائدة في المرور عليه، فبغداد اليوم ما زالت تعيش زمن غربتها وليلها الطويل.

بغداد اليوم، وهي تنزف جرحها الذي طال، تعيش غريبة وسط أغراب، فلا الأهل أهلها ولا الناس ناسها، فكل من كان هناك قبل 14 عاماً، غادرها، إن لم يكن خارج الوطن والأرض، فإلى مدينة أخرى، فلقد ارتأى الابتعاد عن مدينة باتت ليست له وليس لها.

كما أننا اليوم نعيش غربتنا، نحصي أيامنا بعيداً عن بغداد، هي أيضاً تحصي أيامها وتعيش غربتها بعد أن غادرها أهلها وعاث فيها الغريب.

كان صوت المؤذن قد انطلق قبل قليل، منادياً لصلاة فجر التاسع من أبريل/نيسان، إنه عام 2003، قبل أربعة عشر عاماً، وبغداد كانت شبه خالية من أهلها، لقد غادروا قبل بدء المعركة، تعرف ويعرفون أنها الهدف وأنها الغاية.

كانت ديالى، مدينة البرتقال، ابنة البساتين، كريمة الأهل والطباع، قد أعدت متكأً لمن جاء فارّاً إليها، كانت شقيقة بغداد الأقرب التي طالما رمى البغداديون حِملهم على كتفها، وما تعبت وما تململت وما عجزت عن حملهم وحمل همهم.

من هناك، اختار الغزاة أن يدخلوا بغداد، في فجر لا يشبه غيره، وفي يوم ما زالت تفاصيله حاضرة، تحاصرني كلما ابتعدت، أشيح بوجهي عنه، إلا أنه يجابهني مرة تلو مرة، لا يريدني أن أنسى، أن أبتعد عن حمله الذي طالما أتعب ظهري.

للتو خرج مرتادو صلاة الفجر من مسجدهم، لم يتمكنوا من الوصول إلى الشارع الرئيسي الذي يربط قريتهم ببغداد، وقفوا، كانت الوجوه بلا تعابير، صامتة، تسألهم: ما بكم؟! لا أحد يجيب، لا أحد يعرف بِمَ يجيب.

كانت الأرتال تمر، بالكاد نطق حسين، ابن خالي، قال كلمة واحدة" الأمريكان!

ماذا قلت؟! الأمريكان! أي أمريكان؟! لا يمكن، لا تصدق، من قال لكم ذلك؟! يا جماعة إنها أرتال الحرس الجمهوري، أمس في الليل نشروا دعايات مغرضة بأنهم سيدخلون بغداد، لا تصدقوا، إنهم يكذبون.

كنت أكذِّب ما ترى عيناي، كنت أرى الأرتال تمر، ليس بيننا وبينها أكثر من 100 متر، يمكن أن أراها بعينيّ المجردة، إنها دبابات أمريكية، نعم، أمريكية! حتى العَلم الأمريكي البغيض كان يُرى من بعيد، إلا أني لم أكن أريد أن أصدق، معقولة!

عاد حسين، ليرد عليّ وهو يسمع إصراري على أنها ليست أرتالا أمريكية: "شوف العَلم".

لم يكن هناك من بدٍّ، كان يجب أن أرضخ للحقيقة، أن أقول مثلهم إنها أرتال أمريكية، فقلت بعد ذلك صمتاً مطبقاً، مثلهم، قلت بلا كلام، بلا أن أنبس ببنت شفة.

كنا نقف نراقب الأرتال، بوجوه خلت من أي تعبير، ليس ذلك حباً في صدام حسين، كما قد يتوهم البعض من ادْعياء الوطنية، ولكن حباً في العراق، فلا يمكن لأي إنسان صاحب غِيرة أن يقبل باحتلال بلده، لا يمكن لأي إنسان يحمل ذرة من شرف أن يقبل أن تدوس بلاده دبابات محتل.

رويداً رويداً ارتفعت الشمس، جلست قرب نهر صغير يسقي المزروعات، غسلت وجهي مرة واثنين وثلاثاً، خالطت دموعي ماءَ النهر، بكاء صامت، كما هو كل شيء وقتها، صامت بلا حراك!

أربعة عشر عاماً يا بغداد والكثير من مفردات الاحتلال ما زالت تطاردني، كأنها الأمس، أربعة عشر وما زال التاسع من أبريل/نيسان يحمل الألم ذاته والوجوم ذاته والصمت والذهول ذاته، كيف دخلوا! كيف عبثوا! كيف حولوا أبهى مدن الدنيا إلى بقايا مدينة، تعيش حاضرها المُر ببقايا ألق قديم، قِدم هذه المدينة التي كانت ذات يوم مدينتي!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة