بلد أمراء الحرب

تيقن الجميع أنَّ العملية الجارية في الفلوجة، لا تهدف إلا لكسب الوقت من قبل العبادي، لإطالة عمر حكومته الضعيفة أولاً، وللهروب من المشاكل.

السبت، 18-06-2016 الساعة 14:13


نجح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الحد والتخلص من الضغوط التي مُورست عليه، من خلال تظاهرات التيار الصدري والتيار المدني من جهة، وفشله في تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة تحظى بالقبول من الكتل السياسية المتناحرة من جهة ثانية. وذلك من خلال إشعال فتيل معركة تحرير الفلوجة، ونجح أيضاً في توجيه بوصلة الأحزاب المنافسة له، والمليشيات الشيعية ذات الولاء الإيراني، صوب العدو المشترك لهم القابع في مدينة الفلوجة. فساحات التظاهر التي كانت تغص بالمتظاهرين، لم تشهد أية مظاهرات جدية تستحق الذكر، طيلة الأسابيع الثلاثة التي تلت انطلاق معركة الفلوجة.

لكن الوقت الطويل الذي استغرقته معركة الفلوجة، والتي تخطت التوقعات الزمنية لكثير من مراقبي الشأن العراقي، جعل لعبة العبادي مكشوفة ولا تنطلي خدعتها على أحد. حيث تيقن الجميع أنَّ العملية الجارية في الفلوجة، لا تهدف إلا لكسب الوقت من قبل العبادي، لإطالة عمر حكومته الضعيفة أولاً، وللهروب من المشاكل التي فجرتها عملية الإصلاح الفاشلة التي كان يقودها، ثانياً.

لقد استفاد العبادي من فسحة الوقت التي وفرتها له معركة الفلوجة، فقام باعتقال الناشطين الرئيسيين الذين يحركون المتظاهرين في التيار الصدري والمدني، من خلال حملة اعتقالات جرى تنفيذها على أولئك الناشطين في مدينة الصدر (معقل التيار الصدري في بغداد)، وفق مذكّرات اعتقال تم إصدارها على أثر اقتحامِهم للمنطقة الخضراء، معتقداً العبادي أنه بهذا الإجراء، سوف يمنع تكرار تلك التظاهرات.

إلا أنَّ ما حدث هو العكس تماماً، فلقد جلبت عليه معارك الفلوجة مشاكل جديدة لا طاقة له باحتوائها، فالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مليشيات الحشد الشعبي ضد أبناء الفلوجة المدنيين، والاستهجان الدولي لها، والمشاركة الإيرانية المفضوحة في إدارة عمليات الفلوجة، قد أوقع الحكومة في حرج كبير أمام الرأي العام العالمي وأفقدها كل مصداقيتها، إن كان هناك شيء من المصداقية لهذه الحكومة.

لكنَّ ما هو أعظم خطراً (من وجهة نظر العبادي والبيت الشيعي برمته)، هو تجدد التظاهرات في المناطق الشيعية مرة أخرى، وهذه المرة اجتاحت كل المحافظات الشيعية في الوسط والجنوب، وحرقت وأغلقت مقرات الأحزاب الشيعية المشتركة بالعملية السياسية، قام بها أنصار التيار الصدري وأنصار التيار المدني والذين أطلقوا على أنفسهم مسمى جديد هو ( شباب الثورة العراقية الكبرى)، ابتداءً بمقرات حزب الدعوة الذي ينتمي له العبادي والمالكي، وانتهاءً ببقية الأحزاب، وحرقت ومزقت صور المراجع الدينية الإيرانية مثل صور الخميني، وصور علي خامنئي، ولم تنج حتى صور الزعماء السياسيين العراقيين الشيعة من الحرق، فحُرقت صور عمار الحكيم، وهادي العامري، وقيس الخزعلي. وواجه حرس تلك المقرات المتظاهرين وأطلقوا النار عليهم موقعين بهم بعض الجرحى.

كان الأمر خطيراً للحد الذي لم يستطع قادة الشيعة جعله داخلياً. فخرجت تهديداتهم لأولئك الشباب المنتفضين للعلن، فوصفهم نوري المالكي بالصداميين وفدائيو صدام، وتوعدهم هادي العامري علناً بالقصاص منهم، ومن أنصار التيار الصدري على فعلتهم تلك، فقال بالنص: "إنَّ ردنا سيكون قاسياً على من اعتدوا بتمزيق صور شهداء الشعب"، مبيناً "إنَّ تركيزنا منصب حالياً على حسم معركة الفلوجة، وإن الأمور الأخرى سنعالجها بعد حين"، في وعيد وتهديد واضح، لا سيما إذا عرفنا إن مليشيات الصدر المسماة بـ"سرايا السلام" لم تشترك بمعارك الفلوجة، معللين ذلك وبشكل علني، بأنها معارك طائفية وليست معارك تحرير؛ الأمر الذي أغضب باقي الأطراف الشيعية واعتبروه خيانة لهم وللمذهب.

ويتوقع كثير من المراقبين أن معركة الفلوجة التي ينشغل بها معظم المليشياويين الموالين لإيران، سوف تسفر عن نتائج سياسية جديدة، وبالتأكيد لن تكون عمليات الإصلاح جزءاً منها، وقد تؤدي للإطاحة بحكومة العبادي الضعيفة، واســـتبدالها بحكومة أكثر تشدداً في تعاملها مع باقي الأطراف الشيعية التي تنادي بالإصلاح. وهذا الأمر سوف يقودنا لا محالة إلى حرب شيعية-شيعية بدأت تتضح ملامحها للعيان.

وكان أتباع الصدر والتيار المدني، قد رفعوا في مظاهراتهم مؤخراً شعارات مناوئة لطهران؛ ممّا جعل الصدر يسارع بالتبرؤ من تلك الشعارات من خلال تصريحات قادة التيار الصدري، وسط أنباء عن وجود ضغوط إيرانية دفعته إلى موقفه هذا. يقودنا هذا إلى التساؤل حول حقيقة اعتكاف مقتدى الصدر في إيران، هل هو اعتكاف، أم إقامة جبرية لمقتدى الصدر، تسعى من خلالها إيران للحد من تطرف التيار الصدري والتيار المدني المتنامي ضد النفوذ الإيراني في العراق، أو من وجهة نظر أخرى، هل هي بداية القطيعة بين التيار الصدري والتيار المدني؟ لا سيما أن عمليات الحرق والإغلاق التي قام بها المتظاهرون لمقرات الأحزاب، شملت مقرات التيار الصدري أيضاً، وبرر المتظاهرون تصرفهم هذا، إنَّ الوزارات الخدمية التي كان يشغلها التيار الصدري، كانت مشتركة بالفساد أيضاً، ولم تقدم أية خدمات تذكر للمواطن العراقي، وبالتالي فهذا يعني إن موجة الإصلاح التي ركبها الصدر ليستفيد منها لفرض إرادته على باقي أطراف اللعبة السياسية، بدأت تنعكس عليه، وإن مصيره لن يكون بأفضل من مصير رفاقه بالفساد من الأحزاب الشيعية الأخرى. وقد عودنا الصدر بالتخلي عن أصحابه باللحظات الحرجة والعودة إلى الحظيرة الشيعية سريعاً ليحتمي بها إذا تعلق الأمر بمصير تياره.

إنَّ العراق مقبل على فوضى مسلحة كبيرة تقودها المليشيات المتنافسة في الساحة، بل ونتوقع أن يتحول العراق إلى ساحة للمليشيات "متعددة الجنسيات"، مثل مليشيا حزب الله اللبناني، وسرايا الخرساني الإيرانية الهوى والمنشأ، وغيرها من المليشيات التي يصعب حصر عددها وأسمائها.

ستتنافس تلك المليشيات فيما بينها على الأرض وتستبيح موارده الطبيعية، كما حصل في البصرة بداية الاحتلال، حيثُ سيطرت المليشيات على نفط البصرة، وباعته بالسوق السوداء، وسوف يتشظّى البلد بينهم ليكون بلد أمراء حرب، وخطرهم سيتخطى حدود البلد، والساحة الخليجية أولى الساحات التي ينالها شرر النار القادمة من العراق، ما لم تسارع الأطراف الدولية والعربية لإطفائها، ووضع حد لتطرف تلك المليشيات وتخليص البلد والمنطقة من شرورهم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

تركيا | وزير الداخلية التركي: يمكننا أن نسمي اختفاء خاشقجي بـ "حادثة 2 أكتوبر" وهذه الحادثة لا تخص تركيا فقط

عاجل

تركيا | وزير الداخلية التركي: التزمنا الشفافية في قضية خاشقجي وراعينا القوانين الدولية