بناء وطن جديد

المسؤول السارق ينبغي أن ينال عقوبة أشد من السارق العادي.

الثلاثاء، 07-03-2017 الساعة 09:25


الأموال المهدورة في العراق بعد عام 2003 خيالية؛ فلا يمكن للعقل البشري تصديق أن هذه الثروات الطائلة قد نُهبت وأُهدرت وضُيّعت، وصارت في خبر كان. وفي نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، قالت منظمة الشفافية الدولية: إن "6 من أكثر 10 دول فساداً في العالم عربية؛ هي: سوريا والعراق والصومال والسودان واليمن وليبيا".

ومؤامرة نهب ثروات العراق وهدرها، نبه إليها العديد من الشخصيات الوطنية داخل العراق وخارجه. إلا أن أقوالهم تذهب، في الغالب، أدراج الرياح، وربما وُجهت لهم تهم المبالغة والافتراء على الحكومة، كما يحاول أنصار الحكومة والإعلام الرسمي تصوير ذلك.

حقيقة هدر الأموال العراقية لا يمكن نكرانها حينما تأتي من شخصية اقتصادية من داخل المطبخ أو الملعب العراقي، وبالتحديد من داخل المنظومة الاقتصادية الأولى في العراق، وهو الخبير الاقتصادي الدكتور سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي العراقي السابق.

الشبيبي أكد نهاية فبراير/شباط الماضي، أن "رئيس الوزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، تسلم أموالاً أكثر من كل حكام جمهورية العراق مجتمعين منذ الزعيم عبد الكريم قاسم إلى صدام حسين وأهدرها"، وأن "الأموال التي تسلمها المالكي كانت تكفي لبناء وطن جديد يتسع لـ30 مليون نسمة، وليسلم السلطة إلى حيدر العبادي وموازنة العراق خاوية، واحتياطي البنك المركزي منهوب، ليدخل العراق في أزمة مالية كبيرة لا يستطيع النهوض منها بعد عقد من الزمن حتى لو تحسنت أسعار النفط اليوم".

اقرأ أيضاً:

هذه كواليس الجدال الحاد بين قطر والعراق بالجامعة العربية

وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، قال عادل نوري، عضو لجنة النزاهة النيابية العراقية، إن "نحو 1000 مليار دولار أُهدرت بسبب الفساد في العراق بعد عام 2003 وحتى الآن. كما أن هناك أكثر من 600 مليار دولار ليس لها وصولات، ومبالغ أخرى شابتها عقود فساد وهمية ومشاريع متلكّئة فيها خروقات ومخالفات، وإن الفساد استشرى في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمفسدون يعملون ليلاً ونهاراً لتهريب العملة، فضلاً عن الشركات الوهمية والعقود، ولا أحد يستطيع حصر الفساد؛ فهو موجود في كل زمان ومكان وله استمرارية".

في ضوء ما تقدم، نتساءل: كيف يمكن تغييب هذه المليارات؟! وأين ذهبت؟! وكيف هُرِّبت لخارج العراق؟! ومنْ هَرَّبها؟!

مليارات منهوبة بأرقام مذهلة، وفساد طال جميع السلطات؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، باعتراف لجنة النزاهة النيابية! وفي الوقت ذاته، هناك استمرار للخراب، وادعاء محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، فكيف يُعقل هذا الكلام؟!

هم يتحدثون –وليس نحن- عن مبالغ مسروقة تعادل موازنات دول عدة مجتمعة في المنطقة ولعشرات السنوات؛ فكيف يحصل هذا؟! وأين الحكومة التي تدّعي أنها تحارب الفساد؟! وأين أجهزة الرقابة المالية؟! وأين القضاء والبرلمان؟! وأين.. وأين؟ أسئلة طويلة بلا إجابات!

الحيرة تتملك الإنسان حينما يرى أن خيرات بلاده تُنهب من دون رقيب ولا حسيب، وأن بين السرّاق من يقولون نحن نحارب الفساد!

شماعة الإرهاب ستنتهي في العراق يوماً ما، وحينها كيف سيبرّر الفاسدون سرقاتهم؟! فاليوم كل السرقات تبرّر بالحرب على الإرهاب، وأظن أن إرهاب الفساد المالي ينحر العراقيين تماماً كما ينحرهم الفلتان الأمني والإرهاب الرسمي والمليشيات الخارجة عن القانون!

المسؤول السارق ينبغي أن ينال عقوبة أشد من السارق العادي؛ لأن الأول استغل وظيفته الرسمية لتأطير سرقته بإطار قانوني، وهذه خيانة تدخل فيها صور الجريمة المرتكبة كافة، من تزوير واستغلال منصب وتحايل وخداع للجماهير، وغيرها.

لا يمكن القضاء على الفساد بعقوبات "رمزية" لحيتان الخراب في الوطن. ولهذا لن يُقضى على الفساد المالي واسع الانتشار إلا باعتباره جريمة من الجرائم المُخلة بالشرف وخيانة للوطن، وجريمة إرهابية يستحق مرتكبوها أشد العقوبات، وإلا فستبقى سوسة الفساد تنخر الجسد العراقي، ولن تقوم للعراق قائمة.

(الغد)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة